بين الشائعة والحقيقة

news image

 

كتب: عبدالله العميره

في الحروب، الحقيقة أمضى من الشائعات، والواقع أقوى من كل ما يُقال عنه.

وحين تعجز بعض الأطراف عن تحقيق ما تريد، قد تلجأ إلى اختراع انتصارات لم تحدث، وهزائم تتمنى وقوعها لخصومها، وكأن تكرار الرواية يستطيع تغيير الواقع.

فمن يعجز عن الانتصار على الأرض، قد يبحث عن انتصار في الكلام.

وهذا لا يحدث في الحروب وحدها.

في حياتنا اليومية، نرى من يرفع صوته عندما تضعف حجته، ومن يبالغ في الحديث عن إنجازاته عندما يعجز عن إثباتها، ومن يظن أن تكرار الادعاء سيحوّله إلى حقيقة.

من يملك الإنجاز يُظهره، ومن يعجز عنه يرفع صوته.

وفي عصر الإعلام الرقمي، أصبحت صناعة الوهم أسهل من أي وقت مضى.

يكفي حساب مجهول، وصورة مصطنعة، وصوت يقلّد شخصية معروفة، حتى تبدأ رواية كاذبة رحلتها بين آلاف الناس.

وما كان يحتاج بالأمس إلى استوديوهات ومعدات وخبراء، يمكن اليوم إنتاجه بأدوات الذكاء الاصطناعي خلال دقائق.

وفي أكتوبر 2026، انتشرت مقاطع زُعم أنها تُظهر الهجمات على مطار الملك خالد الدولي بالرياض. وكشفت عمليات التحقق أن بعض المشاهد صُنع بالذكاء الاصطناعي، وأن مقاطع أخرى مأخوذة من أحداث قديمة لا علاقة لها بالمطار.

كانت هناك اعتداءات حقيقية، لكن ذلك لم يمنع اختراع مشاهد أخرى ونشرها وكأنها جزء من الأحداث.

وهنا تكمن الخطورة؛ فليس من الضروري أن تكون القصة كلها كاذبة حتى تصبح مضللة.

والأخطر من صناعة الكذبة، وجود من يصدقها لأنه يريد أن تكون صحيحة.

فالإنسان الذي ينقل خبرًا دون التحقق منه، لمجرد أنه يسيء إلى من يختلف معه، يشارك في تضليل الآخرين، حتى لو لم يكن هو من اخترع الخبر.

وما أكثر الذين يطالبون بالصدق، ثم يغضبون عندما لا تأتي الحقيقة على هواهم.

وفي بعض وسائل الإعلام، لم يعد السؤال: هل وقع الحدث؟

بل أصبح: كيف نستفيد منه؟

فتُضخّم الخسارة الصغيرة، وتُخفى الخسارة الكبيرة، ويُحوَّل الاحتمال إلى يقين، والتمني إلى خبر عاجل.

ولعل التاريخ العربي يقدم أحد أوضح الأمثلة على ذلك.

ففي حرب يونيو 1967، كانت إذاعة «صوت العرب» تبث أخبارًا عن انتصارات عربية وإسقاط طائرات إسرائيلية، بينما كانت الطائرات المصرية قد تعرضت للتدمير على الأرض، والجيوش العربية تتراجع.

استمع الملايين إلى أخبار النصر، قبل أن تكشف الوقائع حجم الهزيمة التي دخلت التاريخ العربي باسم «النكسة».

لم تكن المشكلة في الهزيمة وحدها، بل في إعلام جعل الناس يحتفلون بانتصار لم يحدث.

وللسياسة نصيبها من هذا المشهد.

فعبر التاريخ، ظهر زعماء رفعوا أصواتهم بالتهديد والوعيد، وأقنعوا جماهيرهم بأن الخطابة وحدها تكفي لصناعة القوة.

وبعضهم جعل من مهاجمة السعودية وسيلة لاكتساب شعبية أو صرف الأنظار عن أزمات داخلية.

لكن الدول لا تُقاس بما يقوله خصومها عنها، ولا بما تقوله هي عن نفسها.

تُقاس بما تبنيه، وما تحميه، وما تستطيع إنجازه.

فالقوة التي تحتاج كل صباح إلى إعلان أنها قوية، تستحق أن تُسأل عمّا أنجزته منذ إعلان الأمس.

وقد اختارت السعودية في مواقف كثيرة ألا تنشغل بمجاراة كل خطاب عدائي، أو الدخول في سجالات لا تغيّر شيئًا من الواقع.

فليس كل من يرفع صوته يستحق أن نمنحه منبرًا أكبر بالرد عليه.

وأحيانًا يكون أبلغ رد على من يتمنى فشلك أن تستمر في النجاح، وعلى من يشكك في قوتك أن تثبت قدرتك بالأفعال.

 الشائعات لا تقتصر آثارها على السياسة والحروب، بل قد تصل إلى الأسواق والاقتصاد.

ففي مايو 2023، انتشرت صورة مزيفة تُظهر انفجارًا قرب مقر وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون». ولم يقع أي انفجار، لكن تداول الصورة تزامن مع تراجع مؤقت في الأسهم الأمريكية، قبل أن تتعافى الأسواق بعد انكشاف زيفها.

انفجار لم يحدث، لكنه كان كافيًا لإرباك الأسواق.

وهكذا قد تتحول شائعة قصيرة العمر إلى أثر اقتصادي حقيقي.

ولذلك فإن تجاهل السجال لا يعني ترك الأكاذيب تنتشر دون تصحيح.

فالحقيقة تحتاج إلى من يوثقها ويشرحها، وهذه مسؤولية الإعلام المهني.

ليس المطلوب أن نصدق كل بيان ، أو نرفضه لمجرد صدوره عن جهة رسمية، ولا أن نعامل ما تنشره وكالة عالمية باعتباره حقيقة لا تقبل المراجعة.

المعيار واضح: ما الدليل؟ وما الذي ثبت؟ وما الذي لا يزال مجرد ادعاء؟

حين يصبح الدفاع عن المواقف أهم من نقل الحقيقة، يفقد الإعلام مصداقيته.

أما الشعوب، فهي أول من يدفع ثمن الشائعات؛ لأنها قد تحول الخوف إلى خصومة، والخصومة إلى قرارات تمس حياة الناس ومستقبلهم.

ولهذا فإن الوعي لا يعني متابعة كل ما يُنشر، بل معرفة ما يستحق التصديق، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين من يخاطب العقل ومن يستغل المشاعر.

وقد تنجح الشائعة في تضليل الناس فترة، لكنها لا تستطيع تغيير ما حدث فعلًا.

فالشائعة تحتاج إلى من يرددها، أما الحقيقة فتحتاج إلى من يكشفها.

وفي النهاية، دعوا الضجيج لأصحابه، ولا تجعلوا ارتفاع الصوت بديلًا عن قوة الدليل.

فالكلام يستطيع أن يختلق انتصارًا، لكنه لا يستطيع أن يحققه.