لكل زمان موازينه
كتب: عبدالله العميره
ليست الحروب اختبارًا للجيوش وحدها، بل اختبارًا للمواقف والمؤسسات والكلمات التي اعتدنا سماعها حتى ظننا أنها حقائق.
ففي أوقات الرخاء، تتسع المنابر للحديث عن التضامن والمصير المشترك، وتبدو البيانات كأنها ضمانات للأمن. لكن الأزمات الكبرى تطرح سؤالًا أكثر بساطة:
ماذا يبقى من الكلام حين تبدأ ساعة الفعل؟
حين غزا العراق الكويت عام 1990، لم تكن الصدمة في الاحتلال وحده، بل في الانقسام العربي الذي كشفه. ومنذ ذلك الحين، بقيت فكرة العمل العربي المشترك معلقة بين الطموح والقدرة على التنفيذ.
واليوم، تكشف حرب جديدة جوانب أخرى من الخلل؛ فالمؤسسات العربية التي أُنشئت للتنسيق والتضامن تواجه اختبارًا صعبًا، سواء في جامعة الدول العربية أو في الأطر الإقليمية الأقرب إلى مناطق المواجهة.
وليس المطلوب أن تدخل كل دولة حربًا، أو أن تتطابق المواقف؛ فلكل دولة حساباتها وقدراتها. لكن الفارق كبير بين موقف يحدد ما يستطيع صاحبه تقديمه، وآخر تتقدم فيه العبارات على الإمكانات.
فالدول لا تحمي بعضها بكثرة الوعود، وإنما بما تضيفه إلى قدرتها على حماية نفسها.
وهنا يتغير معنى التضامن.
ليس أن تقف دولة أمام أخرى وتعلن أنها ستحميها؛ فالدول ذات السيادة ليست في انتظار من يمنحها الطمأنينة.
التضامن الحقيقي أن تلتقي القدرات، وأن تتكامل المصالح، وأن يضيف الشريك قوة إلى قوة، لا أن يجعل حضوره غاية في ذاته.
والفرق واضح بين تعاون يُبنى على اتفاقات واستعدادات مشتركة، وعروض تُعلن قبل أن تتضح الحاجة إليها أو طبيعة الإضافة التي تحملها.
النية الطيبة تُقدَّر، لكن القوة لا تُقاس بالنوايا.
أما حين تُبنى التصريحات على الاستهانة بعقول الآخرين، أو محاولة تمرير ما لا يستقيم مع الحقائق، فإن الخلل يتجاوز العبارة إلى طريقة التفكير التي أنتجتها.
وهنا تحضر المقولة الشهيرة المنسوبة إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه:
«لستُ بالخِبِّ، ولا الخِبُّ يخدعني».
فالحكمة ليست سذاجة، وحسن النية لا يعني الغفلة، والقدرة على كشف المراوغة لا تستلزم مجاراتها.
وقد علمتنا التجارب أن المحبة بين الشعوب أعمق من المواقف السياسية العابرة. فالعلاقات التاريخية لا تختصرها تصريحات المسؤولين، ولا ينبغي أن تتحول الملاحظات على السياسات إلى أحكام على الأوطان والشعوب.
غير أن احترام الدول يبدأ أيضًا باحترام قدراتها، وفهم حقيقة ما تحتاج إليه، والتمييز بين الشراكة والمجاملة.
وفي خضم هذه التحولات، تبدو السعودية أكثر تمسكًا بمبدأ قديم في تاريخها السياسي: أن الأمن لا يُستعار، وأن الاستعداد لا يبدأ عند وقوع الخطر.
وتحضر هنا العبارة المنسوبة إلى الملك عبدالعزيز:
«القوة، القوة، لا بارك الله في الضعف».
فموازين القوى لا تتغير عندما يعلن أحد أنه أصبح قويًا، بل عندما تتغير قدرته الفعلية على التأثير.
وقد تنتهي هذه الحروب، لكن الأسئلة التي كشفتها لن تنتهي معها.
ستبقى الدول أمام امتحان لا تجيب عنه الخطب: ماذا صنعت في زمن الاستقرار لتكون مستعدة في زمن الخطر؟
ومن أراد أن يكون سندًا، فلا ينتظر حتى تُتجاوز الصعاب وتبدأ ملامح النصر، ثم يأتي ليعرض ما لم يقدمه حين كانت الحاجة إليه أشد.
وليس كل حضور إضافة، ولا كل عرض حاجة؛ فبين من يملك أدوات الفعل ومن يكتفي بالحديث عنها مسافة لا تختصرها الكلمات.
لكن الأزمة الحالية لم تكشف موازين القوة وحدها.
لقد كشفت أيضًا صدق المودة، ومعادن الأصدقاء، والفارق بين تضامن تترجمه المواقف وآخر لا يتجاوز المجاملات.
وكشفت عقولًا لا يتجاوز تفكيرها موضع أقدامها، وأخرى تنظر إلى مصالح استراتيجية مستدامة، فتقرأ المستقبل بدل الاكتفاء بردود الفعل.
وكشفت إعلامًا يؤدي رسالته بمهنية ومسؤولية، وآخر اخترقته المصالح، فاختلط فيه الخبر بالتضليل، والموقف بالدعاية.
بل كشفت أن عداوة بعض ذوي القربى قد تكون أشد وقعًا من عداوة من أعلن خصومته منذ البداية.
ولعل طرفة بن العبد أبلغ من وصف مرارة الخذلان حين قال:
وَظُلْمُ ذَوِي الْقُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً
عَلَى الْمَرْءِ مِنْ وَقْعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّدِ
ومن شيم المروءة العربية الشهامة والشجاعة والوفاء، لكن الحذر لا يقل عنها أهمية؛ فالأصيل لا يخون الثقة، ولا تمنعه ثقته بالآخرين من تبصّر المواقف. أما من يفتقر إلى المروءة، فقد يجعل من الثقة بابًا للخداع، ومن القرب وسيلة للغدر.
وفي المقابل، أثبتت أن العداوات ليست قدرًا أبديًا؛ فقد يستقيم موقف خصم قديم، وتتبدل المصالح، وتكشف التجارب من الصدق ما لم تكشفه سنوات المجاملة، حتى يصبح من كان بعيدًا صديقًا مخلصًا.
وهنا تستعيد الحكمة العربية معناها:
أحبِبْ حبيبَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكونَ بغيضَكَ يومًا ما، وأبغِضْ بغيضَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكونَ حبيبَكَ يومًا ما
ليس المقصود أن نشك في كل صديق، أو نترقب الخذلان من كل قريب، بل أن نعتدل في مشاعرنا وأحكامنا، وألا نجعل الثقة بديلًا عن الوعي، ولا الخصومة مانعًا من الإنصاف.
فلكل زمان موازينه، وليس كل من اعتاد الحديث عن وجوده في مقدمة الصفوف يحتفظ بمكانه عندما تتغير شروط القوة.
والدروس التي كشفتها هذه الأزمة تستحق أن تُدرس بعمق: كل موقف تبدل، وكل علاقة اختُبرت، وكل نية كانت مستترة ثم كشفتها الأحداث.
فالذاكرة السياسية لا ينبغي أن تكون قصيرة، ولا أن تختزل التجارب الكبرى في المصافحات والمجاملات.
وعلّمتنا الأزمة أن الخطر ليس دائمًا فيمن يعلن اختلافه معك في الدين أو الموقف؛ فأمره واضح، وإنما فيمن يُظهر الوفاق ويُضمر خلافه، ويرفع شعارات الأخوّة والولاء ثم تنقضها أفعاله.
وقد حذّر القرآن الكريم والسنة النبوية من النفاق والغدر ونقض العهود؛ فلا يكفي ادعاء الانتماء، ولا تُغني الشعارات عن صدق المواقف.
فالاختلاف الصريح يمكن التعامل معه بوضوح، أما النفاق فلا تكشفه الأقوال، بل تفضحه الأفعال.
دروس كثيرة، أتمنى ألا تنتهي بـ«حبة خشم» اعتاد بعضهم تقديمها كلما انكشفت المواقف.
وليس المقصود إغلاق الأبواب أمام من يريد مراجعة مواقفه؛ فالحكمة تقتضي أن نترك حتى للخصم طريقًا للتراجع، وألا ندفعه إلى زاوية يصبح فيها اليأس أشد خطرًا من العداء.
فالتسامح خُلُق كريم، لكن نسيان الدروس ليس حكمة، وترك باب الرجوع مفتوحًا ليس ضعفًا.