حين تتآلف الأرواح
كتب: عبدالله العميره
«الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».
ليس كل من نلتقيه يصل إلينا.
هناك من نعرفهم سنوات، وتبقى بيننا وبينهم مسافة لا تختصرها الأيام. وهناك من نلتقيهم مرة، فنشعر أننا نعرفهم منذ زمن بعيد.
كأن الأرواح تتعارف قبل أن تتصافح الأيدي.
وأجمل ما في العلاقات ذلك القرب الذي لا يحتاج إلى شرح؛ أن يفهم أحدهم صمتك، ويعرف أنك لست بخير، حتى وأنت تقول إن كل شيء على ما يرام.
فبعض الأرواح تملك مفاتيح لا يعرف الآخرون حتى مواضع أبوابها.
وحين نتعب، قد ننسحب إلى أنفسنا، ونرسم حول أرواحنا دوائر من الصمت، لا لنطرد أحدًا، بل لنحتمي من شيء لا نعرف كيف نشرحه.
وهناك من يقف أمام صمتنا مطالبًا بتفسير، ومن يعرف أن وراءه روحًا تحتاج إليه، فيقترب برفق، دون أن يقتحم عزلتنا أو يطالبنا بتفسير وجعنا.
ذلك القرب قوة عجيبة، لا يفك شفرتها إلا القريب من الروح.
قد تعجز الكلمات عن إيقاظ إنسان أرهقته الأيام، ثم تعيده إلى الحياة لفتة ممن يحب؛ صوت مألوف، أو سؤال صادق، أو يد تمتد إليه حين يظن أن الجميع ابتعد.
فبعض الناس لا يزيلون أوجاعنا، لكنهم يعيدون إلينا الرغبة في الحياة.
وحتى الأرواح المتآلفة تختلف.
قد تتسع المسافة بسبب كلمة أو موقف، ويأتي العتاب لا إعلانًا للخصومة، بل محاولة لحماية شيء جميل.
ويقال: «ليس بين المحبين كرامة».
وهي مقولة تخطئ معنى الحب؛ فالمحبة الحقيقية لا تُسقط الكرامة، بل تصونها.
في الحب نتنازل عن العناد والكبرياء، لا عن الكرامة.
وحين يعود الأحبة بعد عتاب، لا ينبغي أن يشعر أحدهما بأنه انتصر على الآخر، بل أن المحبة انتصرت لهما.
ففي البداية نلتقي لنتعرف، وفي العودة نلتقي لأننا عرفنا قيمة ما كدنا نفقده.
ومن العجيب أن الجاذبية بين الأرواح لا تُقاس بالقرب المكاني، والتنافر لا يبدأ دائمًا بالرحيل.
قد يسكن أحدهم بعيدًا، ويبقى حاضرًا في تفاصيلنا، فبعض الأرواح لا تعرف المسافات.
وحين تجد روحك من يألفها، فلا تستهِن بهذه النعمة. لا تجعل العناد أطول عمرًا من المودة، ولا تسمح لكبرياء عابر أن يهدم ما بنته سنوات من الثقة.
فليس كل من ابتعد يريد الفراق.
بعضهم ينتظر أن تناديه الروح التي يعرف صوتها، فيعود.
وحين يعود، لا تتغير المدينة، ولا تتوقف الساعة، لكن شيئًا عميقًا يحدث في الداخل:
تتراجع دوائر الوحشة، وتعود الطمأنينة.
وكأن روحًا لم تكن تبحث عن العالم كله، وإنما عن روح واحدة تعرف طريق العودة إليها.