حكاية مكان
كتب: عبدالله العميره
تأمل هذا المكان قليلًا.
أناس يتبادلون الأحاديث، وآخرون يستمتعون بهدوء المساء، ومقاعد تنتظر من يجلس إليها.
تحت المظلات، وبين النباتات والأضواء الدافئة، تدور حكايات لا نعرف منها شيئًا.
ربما يلتقي صديقان بعد غياب، أو يتهامس حبيبان كأن الوقت لا يعنيهما، أو يأتي أحدهم ليستريح قليلًا من ازدحام يومه.
وقد يجلس شخص هنا للمرة الأولى، بينما يعرف آخر المكان جيدًا، وله طاولته المفضلة، وموعد اعتاد أن يعود فيه.
ما أجمل أن نتخيل ما يجري حولنا دون أن نتدخل فيه.
وبين الطاولات مقاعد خالية أيضًا.
بعد قليل قد يجلس إليها أشخاص آخرون، يحملون أحاديث مختلفة، وضحكات جديدة، وربما صمتًا لا يحتاج إلى تفسير.
وإذا عدنا غدًا، فسنجد المكان كما هو تقريبًا، لكن الوجوه والحوارات ستتغير.
وهكذا تعيش الأماكن أكثر من حياة في اليوم الواحد، دون أن تغادر مكانها.
لكن متعة المكان لا تحتاج دائمًا إلى مقهى جميل.
أحيانًا يكفي ركن صغير في المنزل، نختار له مقعدًا مريحًا، ونبتة، وضوءًا نحبه، حتى يصبح ملاذًا نعود إليه كلما احتجنا إلى شيء من السكينة.
أما من يسكنون الأرياف، فقد يجدون هذه المتعة على عتبة بيت، أو تحت شجرة، أو أمام حقل يمتد حتى الأفق؛ حيث تصنع الطبيعة أجمل المجالس، دون أن تطلب شيئًا مقابل ذلك.
فليس المكان الجميل ما أُنفِق على تجميله، بل ما استطاع أن يمنحنا شعورًا جميلًا ونحن فيه.
وقد تكون أجمل الأماكن تلك التي نصنعها لأنفسنا، ثم نترك فيها شيئًا من أرواحنا.
فالعقل والجسد يحتاجان إلى سويعات من السكينة، وليس الاستجمام إجازة طويلة بالضرورة؛ فقد تكفي لحظات هادئة في مكان نحبه، لنعود إلى الحياة بروح أجمل.