الحنين إلى المستقبل
مقال المساء ، اليوم
كتب: عبدالله العميره
نعرف الحنين إلى الماضي.
نشتاق إلى أماكن عشنا فيها، وأشخاص أحببناهم، وأيام مضت، ونتمنى لو عادت.
لكن هل حدث أن اشتقت إلى شيء لم يحدث بعد؟
إلى مدينة لم تزرها، أو بيت لم تسكنه، أو حياة لم تعشها؟
هل تخيلت يومًا جميلًا ينتظرك في المستقبل، ثم شعرت نحوه بحنين غريب، كأنك تتذكره لا تنتظره؟
كيف نشتاق إلى زمن لم يأتِ بعد؟
في علم النفس، يمتلك الإنسان قدرة مدهشة على تخيل أحداث مستقبله، تُعرف بمحاكاة المستقبل؛ إذ يستعين الدماغ ببعض الآليات التي يستخدمها لاسترجاع الذكريات، ليبني صورًا لأحداث لم تقع.
نستعير من الماضي وجوهًا وألوانًا وأماكن ومشاعر، ثم نعيد ترتيبها لنصنع مستقبلًا نتخيله.
ولهذا يمكن أن نفرح بلقاء لم يحدث، ونطمئن إلى بيت لم ندخله، ونشعر بالدفء تجاه حياة لم تبدأ.
فالخيال لا ينتظر الواقع دائمًا كي يمنحنا المشاعر.
والأعجب أننا قد نحب تلك الحياة المتخيلة إلى درجة أن نخشى ألا تتحقق.
تأمل علاقتنا بالأشياء التي ننتظرها.
قبل السفر بأيام، نعيش الرحلة في أذهاننا.
نتخيل الفندق، والشوارع، والمقاهي، والصباح الأول، والنافذة التي سنفتحها على مدينة جديدة.
وربما نكون قد عشنا الرحلة في خيالنا مرات قبل أن نغادر منزلنا.
ثم نسافر، ونصل إلى المكان.
نكتشف أنه جميل، لكنه ليس تمامًا كما تخيلناه.
فهل خذلنا المكان؟
أم أننا صنعنا له في خيالنا حياة أخرى؟
بعض الأشياء تكون جميلة مرتين: مرة حين نتخيلها، ومرة حين نعيشها.
وقد تكون المرة الأولى أشد سحرًا؛ لأنها لا تعرف ازدحام الطرق، ولا تعب السفر، ولا المفاجآت التي يخبئها الواقع.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الخيال أجمل دائمًا.
فالحياة تمنحنا أحيانًا ما لم نكن نعرف كيف نتخيله.
وهناك انتظار من نوع آخر.
ننتظر شخصًا نحبه.
وقبل اللقاء، نتخيل حديثنا، ونختار الكلمات، ونبتسم أحيانًا ونحن وحدنا.
وقد نسمع صوته في خيالنا، أو نتخيل ضحكته، أو نستعيد إحساسًا نعرف أنه سيعود حين نراه.
أليس عجيبًا أن يستطيع إنسان غائب أن يمنحنا فرحًا حاضرًا؟
وأن تتحول لحظة لم تأتِ بعد إلى مصدر للطمأنينة؟
أحيانًا يسعدنا الطريق إلى الشيء بقدر ما يسعدنا الشيء نفسه.
وفي المقابل، كم مرة انتظرنا شيئًا طويلًا، ثم اكتشفنا بعد حصولنا عليه أن جزءًا من سعادتنا كان يسكن في الانتظار؟
فالترقب يمنح أحلامنا مساحة واسعة، بينما يضعها الواقع أمام تفاصيل لم نضعها في الحسبان.
لكن الانتظار الجميل لا ينبغي أن يتحول إلى تأجيل دائم للحياة.
نقول لأنفسنا: سنرتاح عندما تتحسن الظروف، وسنسافر حين نجد الوقت، وسنكون أكثر سعادة عندما تتحقق أمنياتنا.
تمر السنوات، وتتحقق بعض الأمنيات، وتتأخر أخرى.
ثم نكتشف أن الحياة التي كنا ننتظرها كانت تمر أمامنا كل يوم.
ما أصعب أن نمضي أعمارنا نستعد للحياة، ثم نكتشف أننا كنا نعيشها دون أن ندرك جمالها.
ومع ذلك، لا أرى في الحنين إلى المستقبل خطأً ينبغي التخلص منه.
بل أراه أحد أجمل مظاهر الأمل.
فالإنسان الذي يتخيل غدًا أجمل يمنح نفسه سببًا للاستمرار، ويترك نافذة مفتوحة أمام الاحتمالات.
وما أضيق الحياة لو عشناها بلا انتظار لشيء جميل!
لكن الأجمل أن نعرف كيف نحلم بالغد دون أن نهمل اليوم.
أن ننتظر الرحلة، ونستمتع بالطريق.
أن نحلم بالقادم، ونحب ما نعيشه الآن.
وهنا أصل إلى فكرة تشغلني.
لكل إنسان حياة يراها الناس، وحياة أخرى لا يراها أحد.
يرون عمله، وأحاديثه، وابتسامته، والأماكن التي يذهب إليها.
لكنهم لا يرون دائمًا الأماكن التي يسافر إليها في خياله، ولا المستقبل الذي يرسمه لنفسه.
قد يجلس شخص في هدوء، بينما يعيش في داخله حياة كاملة لم تبدأ بعد.
يحلم، ويخطط، ويتمنى، وربما يخاف من ضياع أشياء لا يعرف الآخرون أصلًا أنه ينتظرها.
وإذا كان لكل منا عالم داخلي لا يراه الآخرون، فهل يمكن أن يصل شيء من هذا العالم إلى إنسان نحبه دون أن نخبره؟
نفكر أحيانًا في شخص، فيتصل بنا فجأة. نشتاق إليه، فتصلنا رسالة منه.
نسمي هذه المصادفات «تخاطرًا»، وإن كان انتقال الأفكار دون وسيلة تواصل معروفة لم يثبت علميًا.
لكن بين البشر ما هو أقرب إلينا وأكثر واقعية.
فالألفة تجعلنا ننتبه إلى اختلاف صوت من نحب، أو طول صمته، أو ابتسامة تخفي وراءها شعورًا آخر.
ثم تأتي الاستجابة.
أن يسأل عنا أحد في الوقت الذي نحتاج فيه إلى السؤال، وأن يشعر بغيابنا، وأن يطمئن علينا دون أن نطلب.
فليس أجمل من أن يفهم أحد ما نعنيه، إلا أن يهتم بما نشعر به.
وما أكثر الأشياء التي تسكن الإنسان ولا يراها أحد، وما أجمل أن يجد من ينتبه إلى بعضها.
ولعل هذا أحد أسباب حاجتنا إلى الخيال أيضًا؛ فهو يمنحنا مكانًا خاصًا نذهب إليه دون أن نغادر، ونلتقي فيه بمن نحب دون موعد، ونعيش فيه بعض ما نرجو أن تمنحنا إياه الأيام.
وأعود إلى السؤال الأول:
هل يمكن أن نشتاق إلى المستقبل؟
نعم، على سبيل المجاز الوجداني؛ فنحن لا نتذكر ما لم يحدث، لكننا نستطيع أن نحبه وننتظره ونشتاق إلى الصورة التي رسمناها له.
وربما كان أجمل ما في المستقبل أنه ما زال يحتفظ لنا بأشياء لا نعرفها.
وجوه ستصبح عزيزة.
وأماكن ستتحول إلى ذكريات.
وأحاديث ستبقى فينا سنوات.
وأيام سنعيشها ثم نشتاق إليها.
فكم من لحظة ننتظرها اليوم ستصبح غدًا ذكرى نتمنى لو تعود.
وبين الحنين إلى ما مضى، والحنين إلى ما سيأتي، تبقى الحياة الحقيقية هنا.
في هذا اليوم.
في هذه اللحظة.
فلا تجعل شوقك إلى الغد يحرمك جمال اليوم؛ فقد يأتي زمن تشتاق فيه إلى اللحظة التي تعيشها الآن.