الديجافو

news image

مقال مساء اليوم

كتب: عبدالله العميره

هل حدث أن دخلت مكانًا للمرة الأولى، وشعرت أنك تعرفه؟

تتوقف لحظة.

تبحث في ذاكرتك.

أين رأيت هذا المكان؟ ومتى عشت هذا الموقف؟

لا تجد إجابة.

ومع ذلك يبقى إحساس غريب يلح عليك:

لقد كنت هنا من قبل.

هذه الظاهرة يسميها الفرنسيون «Déjà vu»، وتعني حرفيًا «شوهد من قبل»، وتُعرف عربيًا بـ«وهم سبق الرؤية»، وإن كانت تشمل المواقف والتجارب، وليس المشاهد البصرية وحدها.

علميًا، ترتبط الديجافو بآليات الذاكرة والتعرف في الدماغ، حين يشعر الإنسان بألفة تجاه موقف جديد، رغم إدراكه أنه لم يعشه سابقًا، ودون أن يستطيع استحضار ذكرى تحدد مصدر هذا الشعور.

كأن الدماغ يقول لك: أعرف هذا المشهد، بينما تقول الذاكرة: لا أتذكره.

وهي ظاهرة طبيعية شائعة؛ إذ تشير بعض الدراسات إلى أن نحو 74% من الأصحاء مروا بها مرة واحدة على الأقل. ولم يُحسم سببها النهائي، لكن الإرهاق وقلة النوم والتوتر من العوامل المرتبطة بحدوثها. وهي ليست مرضًا بحد ذاتها، ولا اضطرابًا من اضطرابات القلق، وإن كان تكرارها بصورة غير معتادة، خصوصًا مع أعراض عصبية أخرى، يستدعي التقييم الطبي.

إنها لحظات قصيرة، لكنها تفتح سؤالًا واسعًا:

هل كل ما نشعر أننا نتذكره قد حدث بالفعل؟

بعيدًا عن التفسير العلمي، هناك جانب إنساني آسر في هذه الظاهرة.

أن يبدو الغريب مألوفًا، وأن تتحول لحظة عادية في شارع أو مقهى إلى تجربة تشعرك بأن الزمن توقف قليلًا.

ربما كان أكثر ما يدهشنا في الديجافو تلك المسافة الصغيرة بين اليقين والشعور.

نعرف أننا لم نعش الموقف من قبل، لكن شيئًا في داخلنا يصر على أنه يعرفه.

ومن هنا يبدأ الخيال.

ماذا لو كانت بعض الوجوه والأصوات والأماكن توقظ فينا إحساسًا قديمًا لا نستطيع تحديد مصدره؟

ليس معنى ذلك أننا عشنا حياة أخرى، أو أن المستقبل سبق أن مر بنا.

لكن الإنسان لا يعيش بالمعرفة وحدها.

هناك أشياء نشعر بها قبل أن نفهمها.

نزور مدينة لأول مرة، فنشعر بالراحة في أحد شوارعها.

نجلس أمام نافذة تطل على حديقة مجهولة، فنجد فيها ألفة عجيبة.

هذه المشاعر ليست بالضرورة ديجافو، لكنها تذكرنا بأن الألفة أوسع من الذاكرة الواعية.

وقد يكون أجمل ما في الإنسان أنه لا يحتاج دائمًا إلى تفسير كامل لكل شعور جميل يمر به.

ولعل الديجافو يدهشنا أيضًا لأنه يربك علاقتنا بالزمن.

اعتدنا أن نضع الماضي خلفنا، والحاضر أمامنا، والمستقبل في الطريق إلينا.

ثم تأتي لحظة تجعل الحاضر يبدو وكأنه ينتمي إلى الماضي.

فنقف متسائلين:

هل نحن نتذكر، أم نشعر فقط أننا نتذكر؟

وهنا أجد معنى إنسانيًا آخر يستحق التأمل.

نحن نبحث عن الأشياء المألوفة، حتى عندما نحب الجديد.

نريد أن نسافر، لكننا نفرح حين نجد في مدينة بعيدة شيئًا يشبه مدينتنا.

نريد التعرف إلى أشخاص جدد، لكننا نطمئن لمن نجد في حديثهم شيئًا يشبه من أحببنا.

نريد أن تتغير حياتنا، لكننا نحتفظ بأشياء صغيرة تجعلنا نشعر أننا ما زلنا نحن.

فالألفة تمنحنا شعورًا بالاستمرار، كأنها خيط رفيع يصل بين ما عشناه وما نعيشه.

وهناك ألفة حقيقية نعرف مصادرها، لكنها تفاجئنا بقوتها.

صوت شخص نحبه.

رائحة بيت قديم.

ضوء المساء في مكان اعتدنا الجلوس فيه.

أغنية تعيد إلينا زمنًا مضى.

كلها تعيد إلينا أجزاء من حياتنا ظننا أننا نسيناها.

أفكر أحيانًا في علاقتنا الغريبة بالزمن.

نقضي سنوات نتطلع إلى الغد، ثم نقضي سنوات أخرى نستعيد الأمس.

وفي الحالتين، يفلت منا شيء من اليوم.

وربما لهذا تستوقفني الديجافو؛ لأنها تجعلنا ننتبه فجأة إلى لحظة عادية كان يمكن أن تمر دون أن نشعر بها.

وهي مفارقة تستحق التأمل:

نندهش حين نشعر أننا عشنا لحظة من قبل، لكننا كثيرًا ما نعبر لحظات حقيقية دون أن نمنحها ما تستحق من انتباه.

كم مرة عبرنا لحظات جميلة دون أن ننتبه إليها، ثم أمضينا عمرًا نتمنى لو عادت؟

ننشغل باستعادة الأمس، وتخيل الغد، وننسى أن الحاضر يصنع ذكرياتنا القادمة.

ولعل الحياة لا تحتاج إلى أن تتكرر كي نستمتع بها.

يكفي أحيانًا أن نعيشها جيدًا في المرة الأولى.

فالديجافو، مهما بدا غامضًا، ليس دليلًا على أن الزمن يعود إلى الوراء، بل تجربة تكشف لنا جانبًا مدهشًا من علاقتنا بالذاكرة.

أما الزمن، فيمضي.

ومعه تمضي وجوه وأماكن وأحاديث وأيام.

بعضها يبقى في الذاكرة، وبعضها ننساه، وبعضها يعود إلينا في صورة إحساس لا نعرف من أين جاء.

وأختم بسؤال:

إذا كان الديجافو يجعلنا نشعر أننا عشنا لحظة لم نعشها من قبل، فلماذا لا ننتبه أكثر إلى اللحظات التي نعيشها حقًا، قبل أن تتحول إلى ذكريات نتمنى عودتها؟

ربما لا نستطيع استعادة الزمن.

لكننا نستطيع أن نمنح اللحظة من حياتنا ما يجعلها تستحق أن تُتذكّر.