لماذا نتذكر ما لم يحدث؟
مقال المساء
كتب: عبدالله العميره
غريب هذا الإنسان.
يتذكر أشياء لم تحدث، ويشتاق إلى أماكن لم يزرها، وأحيانًا يشعر بالحنين إلى حياة لم يعشها.
قد يجلس وحده، فيتذكر حديثًا لم يجرِ، ولقاءً لم يتم، ورحلة كان ينوي القيام بها، ثم يجد نفسه يبتسم أو يحزن، كأن شيئًا من ذلك قد حدث فعلًا.
والأغرب أن بعض هذه الذكريات المتخيلة تمنحنا متعة خفية ممزوجة بألم لذيذ.
فكيف نشتاق إلى شيء لم يكن لنا؟
وكيف نحزن على لحظة لم نعشها؟
وهل يفرّق الوجدان دائمًا بين ما حدث وما تمنينا حدوثه؟
في علم النفس، هناك صلة وثيقة بين الذاكرة والتخيل. فالدماغ يستعين ببعض الآليات العصبية المشتركة عندما يستعيد تجربة من الماضي أو يتخيل تجربة شخصية كان يمكن أن تحدث.
نحن لا نسترجع الماضي كما تستعيد الكاميرا صورة محفوظة؛ بل نعيد بناءه، وقد نملأ بعض فراغاته بتفاصيل تصنعها المشاعر والتوقعات والخيال.
ولهذا نستطيع أن نتأثر بحكاية لم تحدث، وبمستقبل تخيلناه، وباحتمال جميل مرّ في أذهاننا ثم اختفى.
لكن لماذا تبقى بعض الاحتمالات فينا طويلًا؟
ربما لأنها لم تُختبر.
فالواقع يكشف لنا نقائص الأشياء والأشخاص، بينما يمنح الخيال ما لم يحدث فرصة أن يظل جميلًا كما أردناه.
الرحلة التي لم نسافر إليها لا نذكر فيها تعب الطريق.
والبيت الذي لم نسكنه لا نعرف خلافات أيامه.
واللقاء الذي لم يتم لا يحمل في ذاكرتنا ارتباك الكلمات ولا خيبة التوقعات.
الأشياء التي لم تحدث تحتفظ أحيانًا بجمالها لأنها لم تواجه الواقع.
وهنا يبدأ نوع آخر من الحنين.
لماذا نشتاق إلى من كنا؟
قد نمر بشارع قديم، فتعود إلينا سنوات كاملة في لحظة واحدة.
ليس لأن الشارع تغيّر أو بقي كما كان، بل لأن شخصًا كان يسير فيه ذات يوم لم يعد موجودًا بالصورة نفسها.
ذلك الشخص هو نحن.
نشتاق إلى أنفسنا حين كانت دهشتنا أكبر، وحين كنا نفرح بأشياء صغيرة، وحين كانت أمامنا احتمالات كثيرة لم نعرف بعد أيها سيتحقق.
أحيانًا نشتاق إلى بيت الطفولة، لكننا في الحقيقة نشتاق إلى الطفل الذي كنا عليه داخله.
ونشتاق إلى مدينة، لأننا نتذكر أنفسنا حين عشنا فيها.
ونسمع أغنية قديمة، فلا نبحث عن صوت المطرب بقدر ما نبحث عن أعمارنا التي كانت تسمعها.
ولعل أعجب ما في الحنين أننا قد نشتاق إلى أيام لم تكن سعيدة تمامًا.
كانت فيها متاعب، وخيبات، وانتظار، وربما دموع.
لكن الذاكرة، بانتقائيتها العجيبة، تعيد ترتيب المشهد، فتترك لنا ضوء النافذة، ورائحة المكان، وصوتًا بعيدًا، وتخفف حضور ما كان يؤلمنا.
وهكذا يصبح الماضي أحيانًا أجمل في ذاكرتنا مما كان في واقعنا.
ومع ذلك، ليس كل حنين رغبة في العودة.
قد تعرف أنك لو عدت إلى ذلك الزمن فلن تختاره مرة أخرى، لكنك تظل تحبه.
نحن لا نشتاق دائمًا إلى الحياة القديمة؛ نشتاق أحيانًا إلى الطريقة التي كنا نشعر بها تجاه الحياة.
وهناك أشخاص يمرون في حياتنا فيجعلونها أخف.
لا يغيرون العالم من حولنا، لكنهم يغيرون شيئًا في داخلنا.
وحين يغيبون، لا نفتقد وجودهم وحده، بل نفتقد أنفسنا ونحن معهم.
نفتقد الضحكة التي كانت تأتي بسهولة، والحديث الذي لا يحتاج إلى ترتيب، والطمأنينة التي لا تطلب تفسيرًا.
وربما لهذا نستعيد أحيانًا حديثًا تمنينا لو قلناه لهم.
نعود إليه في خيالنا، نختار كلمات أفضل، ونمنحه نهاية أجمل.
نعرف أن الحديث لم يحدث، لكننا نستمتع بتخيله.
وقد نتألم قليلًا.
إنه ذلك الألم اللذيذ الذي لا نريد أن ينتهي سريعًا.
ليس لأننا نحب الحزن، بل لأن فيه أحيانًا بقية من جمال نريد الاحتفاظ به.
وربما تكون هذه إحدى عجائب الوجدان الإنساني:
أن يستطيع الإنسان أن يعيش داخل احتمالاته، وأن يجد في الأشياء التي لم تحدث بعض العزاء عن الأشياء التي حدثت.
لكن الحياة لا ينبغي أن تتحول إلى متحف للأمنيات المؤجلة.
فالخيال جميل حين يوسّع حياتنا، لا حين يجعلنا أسرى حياة أخرى لم نعشها.
والماضي يستحق المحبة، لكنه لا يستحق أن نمنحه كل أيامنا القادمة.
ما زالت أمامنا أحاديث يمكن أن نقولها، وأماكن يمكن أن نزورها، وأشخاص يمكن أن يجعلوا الحياة أخف.
وما زالت هناك أشياء جميلة لم تحدث بعد.
ربما يكون أجمل ما في الحياة أننا لا نعرف أي ذكريات تنتظرنا.
وأعود إلى السؤال:
لماذا نتذكر ما لم يحدث؟
ربما لأن الإنسان لا يعيش بالأحداث وحدها.
بل يعيش أيضًا بالأمنيات، والاحتمالات، والخيال، وبالأشياء التي تمنّى أن تحدث وظلت جزءًا من حكايته.
ولأن في داخل كل واحد منا حياة أخرى، لم يعشها، لكنه يعرف تفاصيل كثيرة عنها.
حياة لم تحدث.. ومع ذلك، يحن إليها.
وأحيانًا، حين نبتسم لذكرى جميلة، لا نعرف على وجه اليقين:
هل نبتسم لما عشناه؟
أم لما تمنينا لو عشناه؟
وما أكثر الأشياء التي لم تحدث، لكنها تركت فينا كل هذا الجمال.