الزوهري
مقال المساء
كتب: عبدالله العميره
هناك كلمات تعيش طويلًا في الذاكرة الشعبية، حتى نظن من كثرة تداولها أنها حقائق علمية.
ومن هذه الكلمات:
الزوهري.
في الموروث الشعبي، الزوهري شخص تحيط به حكايات كثيرة؛ علامات في الجسد، وحظ مختلف، وجاذبية خاصة، وأحيانًا قدرات لا يملكها غيره.
والحكاية ممتعة.
لكن العلم، حتى الآن، لا يعرف تصنيفًا بشريًا اسمه «الزوهري»، ولا جينًا يجعل صاحبه أكثر قدرة على جذب شريك بعينه، ولا علامة في الكف أو العين تحدد من سيحب من.
ومع ذلك، ربما أخفى الخيال الشعبي خلف الأسطورة سؤالًا حقيقيًا:
لماذا ننجذب إلى أشخاص بعينهم؟
ولماذا يختار بعض الناس، من بين عشرات البشر، شخصًا يشبههم كثيرًا؟
لا أعني انجذاب الشكل وحده؛ فجمال الوجه أو عذوبة الصوت قد يكونان بداية الحكاية.
وكما قيل: الأذن تعشق أحيانًا قبل العين، وأحيانًا تبدأ الحكاية من العين.
لكن الصوت أو الصورة قد يخفيان خلفهما تمردًا على الأخلاق والأعراف، فيتحول الإعجاب، مع انكشاف الحقيقة، إلى نفور وربما كراهية.
أما الانجذاب الأعمق، فلا يتعلق بالأشياء الجميلة وحدها.
فقد يكون التوافق في الغضب، والشك، والتعصب، والحقد، وطريقة النظر إلى الآخرين، والتصلب في الرأي، وربما فيما هو أبعد من ذلك: في الاستغلال نفسه، حين تصبح هذه الصفات جزءًا من تكوين شخصيتين تتشابه بنيتهما النفسية أو طريقة استجابتهما للحياة.
فالإنسان لا يختار دائمًا نقيضه.
كثيرًا ما يطمئن إلى شيء يعرفه، أو يشبهه، أو يُشبع حاجةً فيه.
ربما وجد في الآخر مساحة تشبه مساحة خفية داخله.
ومع ذلك، فالاختيار لا يكشف الحقيقة دائمًا منذ اللحظة الأولى.
فقد ينجح، فيكشف أن التشابه كان أعمق مما بدا.
وقد يفشل، لأن صورة جميلة غطّت حقيقة لم تُرَ، أو لأن تصورًا سابقًا رسم إنسانًا على غير ما هو عليه.
فالإنسان لا يختار دائمًا ما يشبهه فعلًا.
أحيانًا يختار ما ظن أنه يشبهه.
ثم تأتي الأيام لتصحح الصورة.
وقد يأتي الاكتشاف متأخرًا؛ حين لا يعود للندم أو الحسرة أثر.
وهنا يصبح «الزوهري» أقل غموضًا.
ليس سحرًا.
بل ربما ألفة التشابه.
فالإنسان يستطيع أن يمثل أمام الناس بعض الوقت.
لكن الاختيارات التي نعيش معها طويلًا أصعب تمثيلًا.
من نحب.
من نصادق.
من نطمئن إليه.
ومن نقبل أن نقضي معه أعمارنا.
كلها تقول عنا أشياء قد لا نقولها نحن.
ولهذا بقي بيت عربي قديم حيًا حتى اليوم:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي
وفيه حكمة تتجاوز مجرد تأثير الصديق في صديقه.
فالقرين لا يؤثر فينا فقط.
اختيارنا له يكشف شيئًا منا أيضًا.
وليس بالضرورة أن يكون القرناء نسخًا متطابقة، ولا أن يحمل أحدهم كل عيوب الآخر.
فالإنسان أوسع من أن يُختصر في اختيار واحد.
قد يقترن الطيب بشخص صعب.
وقد يخدع إنسانٌ شخصًا حسن النية زمنًا طويلًا.
وقد تتغير العلاقات، وتنقلب الصور، وتظهر حقائق لم تكن ظاهرة في البداية.
لكن حين تستقر العلاقة بين شخصين طويلًا، ويتشاركان النظرة نفسها إلى الناس، والخصومات نفسها، والشك نفسه، والكراهية نفسها، يصبح السؤال مشروعًا:
هل جمعتهما المصادفة وحدها؟
أم أن شيئًا مشتركًا كان ينادي شيئًا يشبهه؟
علم النفس لا يسمّي هذا «زوهريًا».
لكنه يعرف أن التشابه في القيم والمواقف وطريقة التفكير قد يكون عنصرًا مهمًا في الانجذاب.
ونحن نعرف ذلك أيضًا من الحياة.
أصحاب الضحكة الواحدة يتقاربون.
وأصحاب الاهتمامات الواحدة يتقاربون.
وأحيانًا، للأسف، أصحاب الكراهية الواحدة يتقاربون أيضًا.
فالكراهية قد تكون رابطة.
والتعصب قد يصنع جماعة.
والعداء المشترك قد يكون، عند بعض الناس، أقوى من المحبة المشتركة.
اثنان يكرهان الأشخاص أنفسهم، ويشكّان في العالم بالطريقة نفسها، ويتفقان على أن الآخرين سيئون، قد يشعران بأن بينهما «تفاهمًا عميقًا».
مع أن ما جمعهما ليس عمقًا.
ربما مجرد تشابه في العطب.
وغالبًا لا يلغي أحدهما عطب الآخر؛ بل قد يمنحه تبريرًا، حتى تتحول الصفات المشتركة إلى بيئة مغلقة تغذي نفسها.
أي إن كلًّا منهما يؤكد للآخر أن ما يفعله طبيعي وصحيح.
ولا يعني التوافق في الصفات بالضرورة حياة طبيعية أو نجاح العلاقة؛ فقد يتحول هذا التوافق نفسه إلى سبب في تضخيم العيوب وتثبيتها.
وهنا تصبح المسألة أعمق.
فالقرين لا يعيش بجانبك فقط.
هو يشاركك، مع الوقت، صناعة رؤيتك للحياة.
يؤكد بعض أفكارك.
ويضعف أخرى.
وقد يجعلك أكثر شبهًا بما تعيش معه.
ولهذا لا تكون الصحبة أمرًا عابرًا.
فالعلاقة الطويلة ليست مجرد قرب بين شخصين.
إنها أيضًا تأثير متبادل بين عقلين يعيشان طويلًا في المساحة نفسها.
لكن هناك ما يسبق هذا التأثير أحيانًا:
الاختيار.
ولهذا، حين ترى إنسانًا اختار شخصًا يختلف تمامًا عن الصورة التي رسمها لنفسه، فلا تتعجل الحكم.
فقد يكون الانجذاب لمصلحة مادية أو دافع غريزي، وقد لا يتشابه الاثنان في نظرتهما إلى الحياة أو إلى بعضهما.
وقد تجمع بينهما، في المقابل، صفات كثيرة لا تظهر للآخرين.
لكن إذا عرف القرين طبيعة صاحبه، وارتضاها طويلًا، فهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل ارتضاها لأنها تشبه شيئًا فيه؟
وربما لهذا قالت الحكمة القديمة:
لا تسأل عنه كثيرًا.
انظر إلى من اختار.
أما «الزوهري» الذي بدأنا منه، فربما نظلمه إذا أبقيناه في عالم العلامات والأساطير.
فلعل الزوهرية الأصدق ليست خطًا في اليد، ولا علامة في العين.
ربما هي تلك القوة الغامضة التي تجعل الإنسان يرى في شخص آخر شيئًا مألوفًا في داخله.
شيئًا يجذبه.
ويطمئنه.
ويقول له، من دون كلام:
أنا أشبهك.
وهنا يصبح مسك الختام أبسط مما يبدو:
الزوهري بين الجاذبية والانجذاب.
فالناس لا تنجذب دائمًا إلى أجمل ما في الآخرين.
أحيانًا تنجذب إلى أكثر ما يشبهها فيهم.
الصدمة: أن تكتشف متأخرًا ما لا يشبهك.
والعلاج: ألّا تتعجل الحكم قبل أن ترى الصورة كاملة.
وربما كان للزوهري، في الحكاية الشعبية، نصيب من الحكمة: أن يكتشف قبل أن يقع.