لسنا الأخبار التي نقرأها
كتب: عبدالله العميره
نفتح هواتفنا في الصباح، فنجد حربًا.
ننتقل إلى خبر آخر، فنجد كارثة.
ثم أزمة.
ثم قتلى.
ثم تحذيرًا مما قد يحدث غدًا.
وحين نغلق الشاشة، نكتشف أننا أخذنا معنا كل ذلك إلى يومنا.
نجلس مع من نحب، لكن جزءًا منا ما زال هناك؛ عند الخريطة، والصاروخ، والدخان، والعنوان الأحمر العاجل.
وهنا يبدأ سؤال قديم يزورني كثيرًا:
لماذا تمتلئ نشرات الأخبار بالمصائب والحروب، كما يصوغها ويريد انتشارها طلاب الكوارث والعبث، أكثر مما تمتلئ بالأخبار الجميلة، أو على الأقل بتحليل ونشر ما لا يريد الكارثيون أن يصل إلى الناس؟
هل العالم فعلًا بهذا السوء؟
أم أن الأخبار تختار منه الجزء الأكثر اضطرابًا؟
الحقيقة أن الخبر، بطبيعته، يبحث عن الاستثناء.
أن تصل ملايين الطائرات بسلام لا يصبح خبرًا.
لكن تعطل طائرة واحدة قد يتصدر النشرة.
أن يعيش ملايين الناس يومًا هادئًا لا يلفت الانتباه.
لكن انفجارًا في مكان صغير يمكن أن يشاهده العالم كله.
الإعلام يبحث عما تغيّر، وما يهدد، وما يفاجئ.
وهذا مفهوم.
المشكلة أن الأخبار السيئة لا تكذب بالضرورة، لكنها قد تقول الحقيقة ناقصة.
فالحرب حقيقة، لكن السلام الموجود في آلاف المدن في اللحظة نفسها حقيقة أيضًا.
وحين تتكرر أمامنا الصورة المضطربة وحدها، نظن أن الحياة كلها حروب، وأن البشر جميعًا غاضبون، وأن الأرض لا تنتج إلا الأزمات.
مع أن العالم، في اللحظة نفسها، مليء بأشياء جميلة لا تدخل نشرات الأخبار.
اختراعات نافعة للبشرية.
طفل يولد.
مريض يشفى.
شخص يجد عملًا.
اثنان يتصالحان.
عائلة تجتمع.
طبيب ينقذ حياة.
وإنسان قرر هذا الصباح أن يبدأ من جديد.
هذه الأشياء لا تحمل غالبًا شارة «عاجل».
لكنها هي التي تصنع الحياة.
والسؤال الآخر أكثر صعوبة:
هل مهمة وسائل الإعلام أن تنقل ما يريده مخططو الحروب؟
المفترض: لا.
فكل حرب لا تُخاض بالسلاح وحده.
هناك رواية يريد كل طرف أن يضعها في عقل الناس.
صورة يريد نشرها.
وخوف يريد تضخيمه.
وانتصار يريد إعلانه.
ولهذا فإن الصحافة الحقيقية لا ينبغي أن تكون مكبر صوت لأي طرف.
مهمتها أن تنقل، نعم.
لكنها أيضًا تتحقق.
وتضع الحدث في سياقه.
وتفصل بين ما حدث، وما قيل إنه حدث.
والأهم: أن تفسر للناس لماذا حدث، وماذا يعني، وإلى أين يمكن أن يقود.
فالخبر بلا تفسير قد يزيد الخوف أكثر مما يزيد المعرفة.
ومع كثرة المتابعة، يحدث شيء آخر.
يصبح الخوف عادة.
يستيقظ الإنسان يبحث عن الخبر السيئ قبل أن يشرب قهوته.
وإذا لم يجد شيئًا، يشعر أن شيئًا ما ينقصه.
كأن القلق أصبح طريقة للتأكد من أننا ما زلنا نتابع العالم.
وهنا يجب أن نتذكر أن المعرفة شيء، والسكن داخل الأزمة شيء آخر.
من حقك أن تعرف.
ومن الحكمة أن تفهم.
لكن ليس مطلوبًا منك أن تحمل العالم كله فوق كتفيك.
هناك أناس يعيشون اليوم بين خبرين.
خبر صباحي عن حرب.
وخبر مسائي عن كارثة.
وفي المسافة بينهما يذهبون إلى أعمالهم، ويضحكون، ويشترون خبزًا، ويتصلون بأحبتهم، ويخططون لعطلة، ويحلمون.
وهذه ليست خفة ولا تجاهلًا.
هذه الحياة وهي تدافع عن نفسها.
ربما لهذا نحتاج جميعًا إلى مكان آمن داخل الإنسان.
مكان لا يستطيع الخبر العاجل أن يحتله كله.
ندخله حين يعلو ضجيج العالم.
نجلس مع من نحب.
نمشي قليلًا.
نقرأ شيئًا جميلًا.
نغلق الهاتف ساعة.
نتذكر أن ما يحدث في العالم مهم، لكنه ليس كل ما يحدث في حياتنا.
الطمأنينة ليست جهلًا بما حولنا.
وليست إنكارًا للخطر.
الطمأنينة أن تعرف حجم الأشياء الحقيقي.
وأن تمنح كل حدث مساحته، من دون أن تمنحه حياتك كلها.
فالعالم، مهما بدا مشتعلًا في الشاشة، أكبر من الشاشة.
والحياة، مهما غابت عن نشرات الأخبار، ما زالت تحدث في كل مكان.
اقرأ العالم جيدًا.. لكن لا تدعه يكتب حياتك نيابة عنك.