الأبواب التي لا نراها
كتب: عبدالله العميره
منذ الصغر ونحن نتعلم الوقوف في الطابور.
طابور المدرسة.
طابور الخبز.
طابور المستشفى.
ثم نكبر، ونكتشف أن الحياة نفسها مليئة بالطوابير.
ننتظر الوظيفة.
ثم الترقية.
ننتظر الزواج.
والبيت.
وأن تتحسن الظروف.
وأن تنتهي هذه السنة الصعبة.
ثم تأتي سنة أخرى، فنجد أنفسنا في طابور جديد.
الغريب أننا أحيانًا لا ننتظر شيئًا محددًا.
ننتظر فقط.
وكأن الحياة قالت لنا ذات صباح:
مكانك هنا.
فوقفنا.
بعض الناس يعيشون سنوات طويلة وهم يقولون:
بعد أن أنتهي من هذا سأفعل ما أحب.
بعد أن تتحسن ظروفي سأرتاح.
بعد أن يكبر الأبناء سأعيش لنفسي.
بعد التقاعد سأبدأ.
بعد أن...
ثم تصبح كلمة «بعد» ذريعة نؤجل بها أشياء كثيرة في حياتنا.
وتمر السنوات، لا لأننا فشلنا، بل لأننا ظللنا ننتظر اللحظة المثالية التي لا تأتي.
وهناك من يقف في الطابور معتذرًا.
يعتذر لأنه يريد شيئًا مختلفًا.
لأنه تعب.
لأنه قال «لا».
لأن حلمه لا يشبه أحلام الآخرين.
وكأن على الإنسان أن يطلب الإذن ليعيش حياته.
بعضنا يعتذر للحياة حتى يصبح ضيفًا فيها.
لا يزعج أحدًا.
لا يغيّر شيئًا.
ولا يصل إلى المكان الذي يريده.
وهناك من يعيش حياته كلها في «المسودة».
نسخة مؤقتة من كل شيء.
هذا العمل مؤقت.
هذا البيت مؤقت.
هذه المدينة مؤقتة.
هذه الحياة التي لا أحبها مؤقتة.
وسيأتي يوم أبدأ فيه النسخة الأصلية.
لكن المشكلة أن العمر لا يعرف الفرق بين المسودة والنسخة النهائية.
كل يوم يمضي محسوب.
وكل سنة تذهب لا تعود لتقول لك:
كنت أمزح.. خذ سنة أخرى.
لكن لا تقل: خذ عامًا آخر؛ فلعل ما سيأتي أجمل.
وأكثر ما يخيف الناس أن يغادروا طابورًا وقفوا فيه طويلًا.
يقول أحدهم:
كيف أترك الآن وقد أمضيت عشرين عامًا، أو عشرين من السنين العجاف؟
وكأن ما مضى حجة لإهدار ما بقي.
وينسون أن السنين العجاف في قصة يوسف عليه السلام لم تكن نهاية الحكاية؛ فقد جاء بعدها عام فيه يُغاث الناس.
وهنا يقع الإنسان في واحدة من أغرب حيل العقل.
يظن أن الاستمرار في الطريق الخطأ يحفظ ما مضى.
والحقيقة أنه يضيف إليه المزيد.
إذا اكتشفت أنك في الطريق الخطأ، فليس من الحكمة أن تقول:
لقد قطعت نصفه، سأكمله.
فالخبرة التي أخذتها من الطريق لا تضيع حين تغادره.
تحملها معك إلى طريق جديد؛ أكثر معرفة، وأقل اندفاعًا، وأقدر على تمييز الإشارات.
ليس كل تغيير هروبًا.
وليس كل استمرار وفاءً.
أحيانًا يكون الانسحاب شجاعة.
ويكون البدء من جديد أكثر حكمة من الوصول إلى مكان لم نعد نريده.
الحياة ليست امتحانًا يُمنع فيه تغيير الإجابة.
وليست طريقًا ذا مسار واحد.
يمكنك أن تخطئ.
وتتعلم.
وتقف.
وتنظر حولك.
ثم تنتقل إلى مسار آخر.
ولا تبدأ من الصفر.
فالإنسان بعد التجربة لا يبدأ من الصفر؛ يبدأ من خبرته، وأخطائه، وما عرف أنه لا يناسبه، ومن نفسه التي أصبحت أكثر وضوحًا له.
حتى الخسارة، إذا فهمناها جيدًا، يمكن أن تصبح رأس مال.
والمشكلة ليست في الانتظار.
فبعض الأشياء تستحق الانتظار.
وليست في الصبر.
فالصبر من أجمل ما يملكه الإنسان.
المشكلة أن نخلط بين الصبر والجمود.
وبين الوفاء والخوف.
وبين الاستقرار والاستسلام.
وبين المسؤولية وتأجيل أنفسنا إلى أجل غير معلوم.
لا أحد يطلب منك أن تهدم حياتك كلما ضقت بها.
لكن لا تجعل ما بنيته سجنًا لأنك تعبت في بنائه.
ولا تجعل السنوات التي مضت حارسًا على السنوات التي بقيت.
ربما تكون في طابور جيد.
فابقَ فيه.
وربما تكون قريبًا من الباب.
فاصبر قليلًا.
لكن ربما تكتشف أنك منذ البداية تقف أمام الباب الخطأ.
عندها لا تعتذر.
ولا تخجل.
ولا تسأل:
ماذا سيقول الناس؟
اخرج.
وامشِ إلى المكان الذي تريد.
فالحياة أقصر من أن نقضيها ننتظر دورنا في شيء لم نعد نريده.
وأجمل ما في الطريق الجديد أنك لا تذهب إليه وحيدًا.
تأخذ معك كل ما تعلمته في الطريق القديم.
ولهذا، ليس السؤال دائمًا:
كم بقي حتى أصل؟
أحيانًا يكون السؤال الأهم:
هل ما زلت أريد الوصول إلى هناك؟
فإذا كانت الإجابة: لا...
غادر الطابور.
هناك حياة أخرى لا تحتاج منك إلا أن تمشي نحوها.