مدينة الخبر التي أعشقها

news image

 

كتب: عبدالله العميره

زيارتي للمنطقة الشرقية لا تتوقف.

أعود إليها كثيرًا، وفي كل مرة لا أزور مكانًا فقط، بل أستعيد جزءًا من طفولتي.

هناك عشت أعوامًا مع والدي ووالدتي - رحمهما الله - حين كان والدي، قبل نحو ستين عامًا، يتولى عملًا مهمًا في إمارة المنطقة الشرقية.

ولذلك لم تكن الدمام والخبر والظهران بالنسبة لي أسماء مدن.

كانت جزءًا من الذاكرة.

شيئًا فشيئًا، أصبحت الخبر مدينة أعشقها.

ولعشقي أسباب.

ليس لأنها تطل على البحر.

ولا لأن أرصفتها أجمل.

ولا لأنها تملك مقاهي أكثر أو واجهة بحرية أطول.

بل لأنني رأيت فيها شيئًا أهم:

رأيت أثر الإدارة الجيدة.

فالمدينة، أي مدينة، تكشف عقل من يديرها.

لا تحتاج إلى الاطلاع على محاضر الاجتماعات، ولا إلى قراءة الخطط الإستراتيجية، ولا إلى متابعة العروض الملونة.

أمشي في شوارعها، أراقب تخطيطها، وأستمتع بتناغم الجمال في كل تفاصيلها؛ في المباني، والمناطق الخدمية، والطرق، والأرصفة، والحدائق.

كأنها قطعة من أجمل مدن أوروبا.. بل ربما كانت الخبر أجمل.

من يزور الخبر، عليه أن يتأمل استدامة مشروعاتها.

عندها سيعرف كثيرًا.

فالشارع شهادة.

والحديقة شهادة.

والرصيف شهادة.

والمشروع الذي يعيش عشرين عامًا وأكثر شهادة أكبر من مشروع يُفتتح بالتصوير، ثم يبدأ بعد أشهر رحلة الصيانة والترقيع.

في الخبر رأيت، عبر أعوام طويلة، عمل شباب سعوديين متميزين؛ مهندسين ومخططين ومنفذين آمنوا بأن الوظيفة العامة ليست مكتبًا، وأن المال العام ليس رقمًا في ميزانية، وأن تحسين المدينة ليس مناسبة موسمية.

ابتكروا.

ثم واصلوا الابتكار.

وكان من أبرز الأسماء التي ارتبطت في ذاكرتي بهذه المرحلة المهندس سلطان الزايدي، الذي ترأس بلدية الخبر قبل أعوام، قبل أن يصبح أمينًا لمنطقة حائل حاليًا.

وحيثما ذهب، بقي أثر الإدارة حاضرًا؛ فحائل اليوم تشهد تحولًا واضحًا، وتزداد يومًا بعد يوم جمالًا وحيوية، حتى بدأت تبدو كعروس زاهية.

لم تكن المسألة عنده - كما رأيتها - مشروعًا هنا وآخر هناك، بل استمرارًا في تطوير المدينة، واستثمارًا للموارد المخصصة لها فيما يبقى أثره على الأرض.

وهنا تكمن المسألة كلها.

الإدارة ليست مقدار ما تنفق، بل ماذا صنعت بما أنفقت.

يمكن لأي بلدية أن تشتري شجرة غالية، ويمكن لشجرة رخيصة أن تتحول في الأوراق إلى رقم كبير.

ويمكنها أن تزين رصيفًا.

وأن تغير البلاط.

وأن تضع أعمدة إنارة جديدة.

لكن الفاتورة وحدها لا تصنع مدينة.

وأحيانًا تكشف الفاتورة أكثر مما تخفي.

الجمال الحقيقي هو الذي يستمر.

والمشروع الجيد هو الذي لا يحتاج إلى أن يُعاد كل عام تحت اسم جديد.

والتخطيط الناجح هو الذي يجعل المدينة بعد عشر سنوات أفضل، لا أكثر ازدحامًا وتشوهًا.

ولهذا، حين أقارن الخبر بالدمام، أشعر بشيء من الأسف.

والدمام بالنسبة لي معشوقة طفولة أيضًا.

لكنني، مع تعاقب السنوات والأعوام، لم أرَ فيها ذلك الإيقاع نفسه من التجدد الذي رأيته في الخبر.

نعم، هناك تطور.

ولا يمكن إنكاره.

لكن الفارق واضح.

في بعض المواقع تتغير الأرصفة، وتُزرع شجيرات، ثم تذبل أو تحترق، وتعود الدورة من جديد.

تجميل ثم إزالة.

وزراعة ثم استبدال.

وميزانيات تتحرك.

لكن السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا ليس:

كم أنفقنا؟

بل:

ماذا بقي؟

وهنا تبدأ قصة الإدارة.

فالمسؤول البلدي ليس سمسار عقار.

والمدينة ليست قطعة أرض، ولا حديقة للسكن والسهر، يُنظر إليها بمنطق البيع والشراء فقط.

التخطيط العمراني أوسع من ذلك بكثير.

هو حياة الناس.

هو المرور.

هو الظل.

هو المشاة.

هو الحدائق.

هو البحر.

هو هوية الأحياء.

هو أين يسكن الناس، وكيف يصلون، وأين يجلس أطفالهم، وكيف تبدو المدينة بعد ثلاثين عامًا وأكثر.

ومن يفكر بعقلية العقار وحدها، لا يستطيع أن يصنع مدينة.

كما أن المسؤول الذي يجعل علاقاته الخاصة معيارًا للاختيار، أو يحيط نفسه بالأقرب بدل الأكفأ، أو يخشى أصحاب الرأي المستقل ويستريح للضعفاء، لا يبني مؤسسة.

إنه يبني دائرة مغلقة، وربما ينتهي به الأمر إلى تسليم نفسه لمن هو أضعف منه، حتى يصبح في النهاية مسلوب الإرادة والقرار.

والمؤسسات المغلقة تشيخ.

ثم يعشش الغبار على كراسيها، قبل أن يعشش العنكبوت.

وهنا أعتقد أن وزارة البلديات والإسكان أمام مسؤولية أكبر من مجرد متابعة المشروعات في كل مدينة؛ مسؤولية تسبق وصول عين الرقيب، التي لا تغيب، وإن تغاضت مؤقتًا، لعل في ذلك فرصة للإصلاح.

هناك حاجة دائمة إلى تجديد القيادات والطواقم.

ليس لأن كل قديم سيئ.

بل لأن الكرسي الذي يطول الجلوس عليه أكثر مما ينبغي يبدأ أحيانًا في تشكيل صاحبه، بدل أن يشكل صاحبه العمل.

التدوير ليس عقوبة.

بل حماية للمؤسسة.

وفرصة لكي يدخل عقل جديد، ورؤية جديدة، وطاقة جديدة.

المنطقة الشرقية تملك ما يجعلها واحدة من أجمل المناطق الساحلية في العالم.

ساحل طويل.

اقتصاد قوي.

مدن متصلة.

مطار.

ميناء.

صناعة.

طاقة.

جامعات.

وشباب قادر على صناعة الفارق.

وإذا كانت الخبر قد أثبتت أن الإدارة تستطيع تحويل مدينة صغيرة نسبيًا إلى واجهة حضرية محببة، فلماذا لا تتحول التجربة إلى سؤال كبير يُطرح على بقية مدن المنطقة؟

لماذا تتقدم مدينة وتتثاقل أخرى، وهي تحت المظلة الإدارية نفسها؟

الإجابة ليست دائمًا في الميزانية.

ولا في اللوائح.

ولا في عدد الموظفين.

أحيانًا تكون الإجابة في شيء أبسط وأصعب:

من يجلس على الكرسي؟

وكيف يفكر؟

ومن يختار حوله؟

وهل يرى الوظيفة مسؤولية وطنية، أم مجرد منصب محمي؟

المسؤولية، في النهاية، شعور وطني قوي.

إذا حضر، ظهرت آثاره في الشارع.

وإذا غاب، فلن تخفي غيابه أجمل الأرصفة.

لهذا أحب الخبر.

ليس لأنها بلا أخطاء.

بل لأنها أقنعتني بأن الإدارة الجيدة يمكن أن تُرى.

وأن الإخلاص يمكن أن يتحول إلى شارع.

والفكرة إلى حديقة.

والتخطيط إلى مدينة.

أما أجمل ما يمكن أن تفعله وزارة البلديات اليوم، فهو ألا تسأل فقط:

كم أنفقت هذه الأمانة؟

بل أن تسأل:

ماذا تركت؟

وإلا، فلن يبقى الضرر محصورًا في مدينة أو أمانة واحدة.

سيمتد الضرر ليصبح شاملًا.