حُكم قراقوش
كتب: عبدالله العميره
لم يكن قراقوش، على الأرجح، كما صنعته الذاكرة الشعبية العربية تمامًا.
هو بهاء الدين قراقوش بن عبدالله الأسدي، قائد عسكري ومهندس حربي، وأحد رجال دولة صلاح الدين الأيوبي، تولى مسؤوليات عسكرية وإدارية كبيرة.
ثم جاء ابن مماتي وكتب عنه «الفاشوش في أحكام قراقوش»؛ كتابًا ساخرًا رسم له صورة مختلفة، وروى عنه أحكامًا عجيبة وقرارات لا يقبلها عقل.
ورواية ابن مماتي تفتح احتمالين، وربما تجمع بينهما:
إما أنها مثال تاريخي على أن المكيدة قد تنجح إذا حُسن بناؤها واستمر أثرها، إذا كان ما كتبه خصومةً أدبية وسياسية مع قراقوش؛
وإما أنه كشف جانبًا مستورًا من شخصية رجل وثق به صلاح الدين، ولم تستطع الصورة الرسمية إظهاره.
وفي الحالتين، بقي أثر الكتاب أقوى من صاحبه.
ومنذ ذلك الوقت، صار اسم قراقوش رمزًا للقرار العبثي، وأصبح الناس يقولون:
هذا حُكم قراقوش.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالفوضى والقمع والميل إلى الحكم بالقوة لم تكن يومًا حكرًا على زمن قراقوش.
كتب عنها المؤرخون والمنظرون والفلاسفة وخبراء الاستراتيجية.
في الغرب، تحولت الفوضى إلى موضوع للدراسة: كيف تُدار؟ كيف تنشأ؟ كيف تستخدمها الدول؟ وكيف تتحول الحروب من وسيلة لتحقيق هدف إلى آلة تستمر لأنها أصبحت تخدم نفسها؟
أما في كثير من الكتابات العربية، فتحولت الفوضى إلى مرثية.
بكيناها أكثر مما حللناها.
وصفنا الخراب.
عددنا الضحايا.
لعنّا الطغاة.
ثم أغلقنا الكتاب، وكأننا أدينا الواجب.
لكن السؤال ليس:
من كتب أكثر؟
السؤال:
من فهم أكثر؟
ثم يأتي السؤال الأصعب:
هل أثرت كتب الاستراتيجية في صانعي القرار في الغرب؟
وهل استطاعت كتاباتنا العربية، بما غلب عليها من الرثاء والعاطفة ووصف الألم، أن تنتقل من تسجيل المأساة إلى فهم أسبابها وتغيير شيء من واقعها؟
أم أن الكاتب هناك يكتب في برج عاجي، والكاتب عندنا يكتب أحيانًا في برج ترابي؛ وكلاهما يرى العالم من نافذته، بينما البشر في الأسفل يدفعون الثمن؟
انظروا إلى العالم اليوم.
رئيس أميركي جاء من عالم العقار والصفقات والسمسرة قبل السياسة؛ ودونالد ترامب بنى شهرته العامة أساسًا في الأعمال والعقارات قبل دخوله البيت الأبيض.
وفي الطرف الآخر من حرب أوروبا، رئيس أوكراني جاء من التمثيل والكوميديا والإنتاج التلفزيوني قبل انتخابه رئيسًا عام 2019.
وفي موسكو، رئيس خرج من أجهزة الأمن السوفيتية؛ فلاديمير بوتين عمل في جهاز الـKGB قبل انتقاله إلى السياسة.
هذه ليست إدانة للمهن السابقة.
لكنها تذكرنا بشيء مهم:
كل إنسان يدخل الحكم وهو يحمل معه طريقته القديمة في رؤية العالم.
التاجر يرى الفرص في الصفقات.
الممثل يرى المشهد والجمهور، وأحيانًا يبقى أسير النص المكتوب له، حتى حين يتغير المسرح.
ورجل المخابرات يرى خلف كل باب احتمالًا، وخلف كل كلمة نية، وخلف كل حركة خطرًا؛ فالشك عنده ليس حالة طارئة، بل طريقة في فهم العالم.
أما المؤمن بالخرافة، فهو لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عما يوافق ما صدقه مسبقًا. والخرافة ليست معرفة ناقصة، بل بديل زائف عن المعرفة؛ تفسير لا يقوم على دليل، ثم يُرفع إلى مرتبة الحقيقة. لذلك تصبح الإشارة عنده أقوى من المعلومة، والنبوءة أقرب إلى اليقين من التقرير، وإذا خالف الواقع اعتقاده لم يراجع اعتقاده، بل بحث عن طريقة يتهم بها الواقع نفسه.
وهنا لا يعود السؤال: كيف يفكر؟ بل: كيف يمكن الوثوق بقرار يصدر عن عقل يجعل الوهم مرجعًا، ثم يطالب الحقيقة بأن تتبعه؟
وهنا تكمن الخطورة.
لأن السياسي الذي يؤمن بالخرافة لا يخطئ فقط في قراءة حدث.
قد يبني قرارًا كاملًا على شيء لا يمكن اختباره أصلًا.
والعقل المتشبع بالخرافة يمتلك قدرة مدهشة على حماية معتقداته.
إذا وافق الواقع خرافته قال: كنت أعرف.
وإذا لم يوافقها قال: هناك من أفشلها.
وإذا ظهرت حقيقة تناقضها قال: الحقيقة نفسها جزء من الخداع.
كيف يمكن لعقل كهذا أن يدير دولة، أو حربًا، أو اقتصادًا، أو مصير ملايين البشر؟
وحين تمتلك هذه الرؤى جيوشًا وصواريخ واقتصادات، لا تعود المسألة شخصية.
تصبح مصير ملايين البشر.
وهنا يعود قراقوش.
ليس الرجل.
بل الفكرة.
قراقوش العصر هو القرار الذي لا يحتاج إلى تفسير لأنه صادر من الأعلى.
هو الحرب التي تبدأ بهدف، ثم تستمر لأن أحدًا لا يريد الاعتراف بأن الهدف تغير.
هو السياسي الذي يطلب من شعبه الصبر على الخراب، بينما يشرح له في كل مساء أن الخراب جزء من الخطة.
وهو الحاكم الذي إذا نجح قال:
كانت رؤيتي.
وإذا فشل قال:
كانت مؤامرة.
وإذا طال الفشل قال:
نحتاج إلى مزيد من الوقت.
التاريخ، في النهاية، لا يهتم كثيرًا بما قاله الحكام عن أنفسهم.
هو يسجل النتائج.
صلاح الدين بقي في الذاكرة بصورة، وقراقوش بقي بصورة أخرى، حتى لو كانت الصورة الشعبية لقراقوش نفسها محل خلاف تاريخي.
وهذه وحدها مفارقة تستحق التأمل:
قد يكون الرجل أفضل من سمعته، لكن الرمز صار أقوى من الرجل.
فما الذي سيبقى من حكام اليوم؟
صور المؤتمرات؟
الخطب؟
الصفقات؟
الخرائط التي أعادوا رسمها؟
أم المدن التي خرجت من الحروب أقل عمرانًا، وأكثر وجعًا، مما دخلتها؟
السؤال ليس: هل ستنتهي الحروب؟
الحروب تنتهي دائمًا.
السؤال:
كم قراقوشًا يجب أن يمر على العالم قبل أن يتعلم البشر أن إدارة الدول ليست مسرحًا، ولا صفقة عقارية، ولا غرفة تحقيق، ولا منبرًا للخرافة؟
والمشكلة ليست أن العالم يخلو من الكتب.
لدينا كتب تكفي لإنقاذه عشر مرات.
المشكلة أن التاريخ مليء بحكام قرأوا التاريخ جيدًا..
ثم قرروا أن أخطاء الآخرين لا تنطبق عليهم.
وهنا يبدأ حُكم قراقوش من جديد.
ماذا بعد؟
اللافت أن هذا القلق لم يعد مجرد انطباع صحفي أو تشاؤم عابر.
في مؤلفات حديثة وأخرى قيد الصدور، مثل Surviving Chaos لمارك ليونارد، وThe Disorderly Society لبوبو لو، وBringing Order to Anarchy لتشارلز كوبتشان، تتكرر الفكرة نفسها تقريبًا: النظام الدولي القديم يتآكل، والقواعد التي ضبطت العالم لعقود تفقد قدرتها، فيما لم يولد بعد نظام جديد قادر على ملء الفراغ.
وما نراه حولنا ليس بعيدًا عن ذلك: حروب ممتدة، مؤسسات دولية عاجزة عن الحسم، زعماء يحولون الأزمات إلى أدوات داخلية، وأسواق أصبحت جزءًا من الصراع نفسه.
لكن السؤال الأهم ليس:
هل عادت الفوضى؟
بل:
من سيملأ الفراغ الذي تتركه؟
لأن التاريخ يعلمنا أن الفراغ لا يبقى طويلًا.
إما أن تملأه مؤسسات أكثر عقلًا...
أو يملأه قراقوش جديد.
وفي عصر تكالبت فيه الأزمات على البشر، وامتدت تداعياتها إلى أنحاء واسعة من العالم، يبقى سؤال يستحق التأمل:
أي الدول استطاعت، عبر أكثر من أزمة، أن تثبت قدرتها على إدارة التوازن بين الأمن والتنمية والطاقة والدبلوماسية، والإسهام في استقرار محيطها والعالم رغم صعوبة الظروف؟
ثم يبقى السؤال الأخير:
من أثبتت التجارب أنه أقدر على إدارة الأزمات: من يصنع الفوضى، أم من يحافظ على الاستقرار ؟