الشرق تغيّر.. ورؤى غربية لم تتغيّر

news image

 

الحرب تكشف قصور الرؤية

إذا كان التصعيد الحوثي امتدادًا للحرب الأمريكية الإيرانية، فهل يمكن اختزال مسؤولية واشنطن في قرار التدخل العسكري؟ ومن يتحمل تبعات حرب تتجاوز تهديداتها حدود السعودية إلى المصالح الدولية؟

 

كتب: عبدالله العميره

يثير مقال رأي نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية، الاثنين 19 أكتوبر 2026، للصحفي والأكاديمي الأمريكي من أصل لبناني محمد بازي، أستاذ الصحافة بجامعة نيويورك والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، تساؤلات مهمة بشأن طبيعة التحالفات والمسؤوليات الأمنية في المنطقة.

حمل المقال عنوان «السعودية تتعلم بالطريقة الصعبة: لا يمكنها الاعتماد على ترامب لحمايتها»، وناقش حدود الضمانات الأمنية الأمريكية للمملكة، رابطًا بين العلاقات السياسية والشخصية والاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة، وبين توقعات الدعم العسكري الأمريكي في مواجهة الحوثيين.

ويقر بازي بأن الحرب الأمريكية على إيران أعادت إشعال المواجهة السعودية الحوثية، وأن الحوثيين حلفاء لطهران. لكنه يستنتج من امتناع الرئيس دونالد ترامب عن توسيع التدخل العسكري الأمريكي أن السعودية لا تستطيع الاعتماد عليه لحمايتها.

وهنا تبدأ المسألة التي تستحق النقاش: هل يكفي الامتناع عن تنفيذ عملية عسكرية محددة للحكم على تحالف استراتيجي؟ وهل يمكن تقييم القرار الأمريكي دون النظر إلى المسؤولية عن اتساع الحرب وتداخل جبهاتها؟

القضية لا تتعلق بمطالبة واشنطن بخوض حرب نيابة عن السعودية، بل بفهم طبيعة الصراع، وحدود التزامات الحلفاء، والمسؤولية عن التهديدات التي تتجاوز حدود المنطقة.

أين تقع المسؤولية؟

ينطلق بازي من وقائع سياسية وعسكرية تستحق المناقشة، لكنه يمنح العلاقات الشخصية والاستثمارات الاقتصادية وزنًا كبيرًا في تفسير حدود الاستجابة العسكرية الأمريكية.

وهذه زاوية تحليلية مشروعة، لكنها لا تقدم وحدها تفسيرًا كافيًا لقرارات تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

فالعلاقة السعودية الأمريكية لم تبدأ مع ترامب، ولا تقوم على العلاقة الشخصية بين قيادتي البلدين. إنها شراكة تراكمت عبر عقود، وشملت التعاون العسكري والأمني والاقتصادي، وتقاطعت فيها مصالح استراتيجية تتجاوز الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

ولا يمكن قياس متانة التحالفات الدفاعية باستجابة أحد أطرافها لكل طلب عسكري، كما لا يصح اعتبار الامتناع عن المشاركة في عملية محددة تخليًا شاملًا عن الالتزامات الأمنية.

لكن ذلك لا يعفي واشنطن من السؤال عن مسؤولياتها تجاه تهديدات إقليمية متصلة بمواجهة تخوضها هي نفسها مع إيران.

وهنا تكمن المفارقة.

فإذا كانت الحرب الأمريكية الإيرانية قد أسهمت في إعادة إشعال الجبهة اليمنية، كما يقر الكاتب، فإن مناقشة النتائج لا ينبغي أن تقتصر على مدى استعداد واشنطن للدفاع عن السعودية، بل يجب أن تشمل مسؤولية إيران عن توسيع الصراع عبر حلفائها المسلحين.

وهكذا تتقدم مساءلة الطرف المستهدف عن حدود قدرته على الرد، بينما تتراجع مساءلة مصدر التهديد عن مسؤوليته في توسيع الحرب.

الحوثيون.. الارتباط العسكري بإيران

ليس الحوثيون مجرد جماعة يمنية تخوض صراعًا داخليًا على السلطة، بل ميليشيا مسلحة تمارس هجمات إرهابية، وترتبط بالمنظومة العسكرية الإيرانية عبر التسليح والتدريب والإسناد الاستخباراتي والعملياتي.

وقد كشفت تقارير دولية ومعلومات استخباراتية عن دور الحرس الثوري الإيراني في تطوير القدرات الصاروخية والمسيّرات، وتقديم الدعم الفني والعملياتي، فضلًا عن وجود مستشارين عسكريين مرتبطين بطهران.

وهذا الارتباط يجعل العمليات الحوثية جزءًا من منظومة تهديدات إقليمية تتجاوز حدود اليمن.

فعندما تُستخدم الصواريخ والمسيّرات لاستهداف السعودية، أو تتحول الممرات البحرية إلى ساحات تهديد، فإن التداعيات لا تبقى محصورة في الصراع اليمني.

ويتسع نطاق القلق مع ما كشفته تحقيقات وإجراءات أمنية في دول أوروبية، بينها ألمانيا وبريطانيا، بشأن أنشطة وتهديدات منسوبة إلى إيران، شملت التخطيط لعمليات إرهابية.

وهكذا لا يعود التهديد المرتبط بإيران شأنًا إقليميًا فحسب، بل قضية أمنية تمتد آثارها إلى أوروبا والمصالح الدولية.

والاعتراف بارتباط الحوثيين بإيران، كما فعل بازي، خطوة مهمة في فهم الصراع، لكن الأهم أن ينعكس هذا الاعتراف على تحليل المسؤوليات، لا أن يبقى مجرد خلفية للأحداث.

اليمن.. اختبار المواجهة الأوسع

لا تقتصر أهمية العمليات العسكرية في اليمن على مواجهة الحوثيين، بل تمتد إلى اختبار قدرات وأساليب عملياتية قد تكون لها تطبيقات في المواجهة الأوسع مع إيران.

فالتعامل مع الصواريخ والمسيّرات، وكشف مواقع إطلاقها، وتعطيل منظومات القيادة والإمداد، يوفر خبرات ميدانية مهمة في مواجهة أسلحة وتقنيات يرتبط جانب منها بالمنظومة العسكرية الإيرانية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ما يجري في اليمن باعتباره اختبارًا لبعض التحديات التي قد تواجه العمليات العسكرية ضد إيران، مع اختلاف حجم القدرات والجغرافيا وطبيعة الأهداف.

فما يحدث في اليمن لا يقتصر أثره على الجبهة اليمنية؛ إذ قد تسهم نتائجه ودروسه في تطوير تقديرات المواجهة الأوسع مع طهران.

وهذا الترابط لا يعني أن العمليات العسكرية في اليمن مماثلة للحرب مع إيران، لكنه يؤكد أن الفصل التام بين الجبهتين لا يساعد على فهم أبعادهما الاستراتيجية.

مضيقان.. ومصلحة عالمية واحدة

تكشف الحرب أهمية الترابط الاستراتيجي بين مضيقي هرمز وباب المندب.

فأي اضطراب في هرمز يؤثر في إمدادات الطاقة، وأي تهديد لباب المندب ينعكس على التجارة بين آسيا وأوروبا وحركة السفن عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

ولا تتوقف هذه التداعيات عند حدود السعودية أو اليمن؛ بل تمتد إلى أسعار النفط، وتكاليف الشحن والتأمين، وسلاسل الإمداد، والاقتصادات المستوردة للطاقة.

ومن المفارقات أن تتحول حرية الملاحة إلى أولوية دولية عندما ترتفع التكلفة الاقتصادية لتهديدها، بينما يُنظر أحيانًا إلى مواجهة مصادر التهديد باعتبارها مسؤولية الدولة الأقرب جغرافيًا وحدها.

فإذا كانت المصالح مشتركة، فإن مسؤولية حمايتها لا يمكن أن تكون محلية بالكامل.

وهنا يتجاوز النقاش سؤال بازي عن مدى استعداد ترامب لحماية السعودية، ليصل إلى سؤال أشمل عن توزيع المسؤوليات في مواجهة تهديدات تؤثر في الاقتصاد والأمن الدوليين.

التحالفات ليست شيكًا مفتوحًا

من حق الولايات المتحدة أن تحدد خياراتها العسكرية وفق مصالحها وتقديراتها، كما أن من حق السعودية أن تتخذ قراراتها الدفاعية بما يحفظ أمنها وسيادتها.

وقد تختلف الرياض وواشنطن في توقيت العمليات العسكرية وحجم المشاركة المباشرة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تصدع الشراكة بينهما.

لكن اختلاف الأولويات لا يلغي المصالح المشتركة، ولا يعفي أي طرف من مناقشة مسؤوليته تجاه التداعيات الإقليمية لقراراته.

فالشراكة السعودية الأمريكية لا تقوم على تبعية طرف للآخر، ولا على افتراض أن المملكة عاجزة عن الدفاع عن نفسها، وإنما على تقاطع مصالح استراتيجية وأمنية واسعة.

والتحالف لا يعني التزامًا غير محدود بخوض كل حرب، كما أن رفض عملية عسكرية واحدة لا يعني بالضرورة سقوط الالتزامات الدفاعية بأكملها.

وهنا يظهر الفرق بين قراءة التحالف من منظور قرار آني، وقراءته من منظور المصالح والمؤسسات والالتزامات المتراكمة.

ولا تكتمل معالجة الملف اليمني بالعمليات العسكرية وحدها؛ فاستقرار اليمن يتطلب دعم مؤسسات الدولة، واستعادة قدرتها على إدارة أراضيها، وتهيئة الظروف الأمنية والسياسية التي تمنع تجدد الصراع.

إيران.. حصيلة 47 عامًا

على مدى 47 عامًا، سعت إيران إلى توسيع نفوذها حتى امتد إلى أربع عواصم عربية، مستثمرة الشعارات المذهبية والتعبئة العقائدية لإعادة تشكيل وعي بعض المجتمعات، وإحلال الخرافة محل الحقائق، بما يسهل إخضاعها وتوظيفها أدواتٍ لخدمة مشروعها التوسعي.

لكن تطورات المنطقة تكشف حدود هذا المشروع؛ فثمة تحولات عربية تستهدف استعادة القرار الوطني وتعزيز الانتماء العربي، فيما كشفت العمليات الحوثية في اليمن حجم التهديد الذي تمثله الشبكات العسكرية المرتبطة بإيران، ليس لأمن المنطقة وحدها، بل للملاحة والتجارة والاستقرار الدولي.

وليس المطلوب من الصحافة الغربية تبني الموقف السعودي، ولا تجاهل حقها في نقد التحالفات والسياسات، وإنما تقديم قراءة تمنح أطراف الصراع ومسؤولياتهم الوزن الذي تستحقه الوقائع.

فالنقد الذي يركز على حدود الحماية الأمريكية، دون أن يمنح مصدر التهديد ومسؤولية توسيع الحرب اهتمامًا مماثلًا، يظل قراءة جزئية لصراع تتجاوز أبعاده العلاقة بين الرياض وواشنطن.

ومقال محمد بازي يطرح سؤالًا يستحق الإجابة، لكنه لا يقدم بالضرورة الإجابة الوحيدة.

فالسعودية تدافع عن سيادتها وأمنها الوطني، وفي الوقت نفسه تسهم في حماية استقرار إقليمي ترتبط به حركة التجارة والطاقة العالمية.

ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: هل يستطيع السعوديون الاعتماد على ترامب لحمايتهم؟

بل أيضًا: ما مسؤولية الأطراف التي أسهمت في توسيع الحرب، ومن يتحمل تبعات تهديدات أصبحت تمس المصالح الدولية؟

فالحرب التي تتجاوز نتائجها حدود اليمن، لا يمكن فهمها وكأنها مواجهة يمنية منفصلة، ولا اختزالها في اختبار للعلاقة السعودية الأمريكية.

ويبقى السؤال: هل أدرك بعض الإعلام الغربي أن موازين القوى العالمية تغيّرت، وأن الشرق الأوسط لم يعد أرضًا يكتشفها فاسكو دا غاما وكولومبوس، ولا منطقةً تُقرأ بعقلية الوصاية القديمة، بل قوةً تصنع قراراتها وتفرض حضورها في المعادلات الدولية؟