السعودية.. صمت القوة

news image

 

حين تكون الدولة قادرة على إدارة الأزمات والحروب، فإنها لا تجعل الضجيج بديلًا عن القرار، ولا تستعجل إعلان النصر قبل اكتمال شروطه.

 

كتب: عبدالله العميره

ليست قوة الدول في قدرتها على خوض الحروب وحدها، بل في قدرتها على معرفة متى تخوضها، وكيف تديرها، ومتى تنهيها، وبأي نتائج سياسية وأمنية واقتصادية.

وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص السياسة السعودية: الصبر الاستراتيجي المقترن بالقدرة على الفعل.

فالمملكة لا تنظر إلى الأزمات باعتبارها مواجهات منفصلة، ولا تجعل كل استفزاز سببًا لتغيير حساباتها. إنها دولة تدرك أن القرار العسكري جزء من منظومة أوسع، تضم الاقتصاد والدبلوماسية والتحالفات والأمن الوطني واستقرار المنطقة.

والأهم أنها تملك من الأدوات ما يسمح لها باختيار توقيت استخدامها.

القوة التي تعرف أهدافها

ليست الغاية السعودية خوض الحروب، وإنما حماية السيادة والأمن الوطني ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة دائمة للصراعات.

ولهذا فإن الحسم، في المفهوم الاستراتيجي، لا يعني بالضرورة أسرع انتصار عسكري، بل الوصول إلى وضع لا يستطيع فيه الخصم فرض تهديد مستمر، ولا تتحول فيه تكلفة الانتصار إلى أزمة جديدة.

وهو فارق جوهري بين دولة تحارب لتحقيق هدف محدد، وأطراف تجعل استمرار المواجهة وسيلة لبقائها السياسي والعسكري.

السعودية لا تحتاج إلى الحرب لإثبات قوتها، لكنها تحتاج إلى قوتها حتى لا تُفرض عليها الحروب بشروط الآخرين.

القدرة على الحسم تبدأ من الداخل

تجمع السعودية بين قدرتها على إدارة العمليات العسكرية في ميادين المواجهة، وكفاءة أجهزتها الأمنية في حماية الاستقرار الداخلي ومواجهة التهديدات.

وهذا التكامل بين القوة العسكرية والأمن الداخلي يمنح المملكة قدرة أكبر على إدارة الأزمات الممتدة، دون السماح للتحديات الخارجية بأن تتحول إلى اضطرابات داخلية.

فقوة الدولة لا تُقاس بما تحققه في ميادين القتال وحدها، بل بقدرتها على حماية مجتمعها واستمرار مؤسساتها في أصعب الظروف.

اليمن.. اختبار الإرادة والحسم

تمثل اليمن أحد أكثر الاختبارات تعقيدًا للسياسة السعودية، بحكم الجغرافيا وتشابك القوى المحلية والتدخلات الخارجية والمخاطر الممتدة إلى البحر الأحمر وباب المندب.

فالهدف السعودي لا يقتصر على مواجهة الحوثيين عسكريًا، بل يتجاوز ذلك إلى تأمين الحدود، ومنع الاعتداءات على المدن والمنشآت، ودعم قيام دولة يمنية قادرة على إدارة أراضيها، وحماية الملاحة الدولية.

ومع استمرار عملية «فجر اليمن»، تتضح أهمية الجمع بين العمليات العسكرية والإسناد السياسي للحكومة اليمنية، وبين استنزاف القدرات الهجومية للحوثيين وتوفير الظروف التي تسمح باستعادة سلطة الدولة.

ولا يمكن اختزال هذا المسار في عدد الضربات أو المواقع المستعادة.

فالنصر الحقيقي لا يتحقق بمجرد إخراج الخصم من موقع، بل حين تصبح عودته إلى تهديد الأمن أكثر صعوبة، وتصبح مؤسسات الدولة أقدر على تثبيت الاستقرار.

ومن هنا، فإن الحديث عن اقتراب الحسم لا يعكس ترددًا، بل يعبر عن نهج دولة تدرك أن إعلان الانتصار مسؤولية، وأن النتائج على الأرض هي التي تمنحه قيمته ومصداقيته

التحالفات ليست دليل احتياج

حين تؤكد دول صديقة وشقيقة استعدادها لدعم السعودية، فإن ذلك يعكس مكانة المملكة وتشابك المصالح الأمنية والسياسية معها.

لكن ثمة فرقًا بين دولة تحتاج إلى الآخرين كي تتخذ قرارها، ودولة تملك قرارها وتختار التعاون معهم حين تقتضي المصالح المشتركة ذلك.

الاستقلال الاستراتيجي لا يعني العمل منفردًا دائمًا، بل امتلاك القدرة على الاختيار، وتحديد الأهداف، وعدم الارتهان لإرادة الحلفاء.

وهذا ما يمنح الشراكات السعودية معناها الأوسع: ليست بديلًا عن القدرات الوطنية، وإنما أدوات لتعزيزها وتوزيع المسؤوليات في مواجهة تهديدات تتجاوز حدود دولة واحدة.

فأمن البحر الأحمر، واستقرار أسواق الطاقة، وسلامة التجارة الدولية، ليست مصالح سعودية خالصة؛ إنها مصالح عالمية تشترك الدول في مسؤولية حمايتها.

اقتصاد لا ينتظر هدوء العالم

لا يمكن فصل القوة السياسية والعسكرية عن القدرة الاقتصادية.

فالدولة التي تملك موارد مالية، وبنية تحتية متنوعة، ومؤسسات قادرة على الاستجابة للصدمات، تستطيع إدارة الأزمات بمرونة أكبر.

وقد أظهرت التجربة السعودية خلال اضطرابات الطاقة والملاحة أهمية الاستثمار في البدائل اللوجستية، ومن بينها خط أنابيب شرق–غرب، الذي يوفر منفذًا لتصدير النفط عبر البحر الأحمر عندما تتعرض طرق أخرى للاضطراب.

كذلك تمنح برامج التنويع الاقتصادي وتطوير القطاعات غير النفطية المملكة أدوات إضافية لتقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل.

والمرونة لا تعني غياب الخسائر، بل القدرة على احتوائها واستعادة النشاط ومواصلة الأولويات الوطنية.

إن الدولة التي تستطيع حماية اقتصادها أثناء الأزمات تمتلك عنصرًا من عناصر القوة لا يقل أهمية عن قدراتها العسكرية.

السعودية وإدارة أزمات الآخرين

لم يقتصر الدور السعودي على حماية مصالح المملكة، بل امتد إلى المساهمة في معالجة أزمات إقليمية ودولية، عبر الوساطة، والمساعدات الإنسانية، والدعم الاقتصادي، والمشاركة في جهود الاستقرار.

وهنا تتضح قيمة القوة حين تتحول من قدرة على حماية الذات إلى قدرة على المساهمة في حماية الاستقرار الأوسع.

فليست كل الأزمات قابلة للحسم العسكري، ولا كل الخلافات تُعالج بالبيانات السياسية.

بعضها يحتاج إلى ضمانات اقتصادية، وبعضها يتطلب وساطة موثوقة، وبعضها لا ينتهي إلا بترتيبات أمنية تحول دون تكراره.

والدولة المؤثرة هي التي تعرف أي الأدوات تصلح لأي أزمة.

حين تصمت السعودية

في السياسة الدولية، لا يكون الصمت دائمًا غيابًا للموقف.

قد يكون مساحة للتقدير، أو فرصة للدبلوماسية، أو وقتًا لاستكمال الاستعدادات قبل اتخاذ قرار لا رجعة فيه.

وحين تصمت دولة بحجم السعودية، فإن المتابعين يبحثون عن دلالة ذلك الصمت؛ لأنهم يدركون أن وزن الدولة لا يقاس بعدد تصريحاتها.

وحين تتحدث، تكتسب كلماتها أهميتها مما تمتلكه من مصالح وقدرات وعلاقات وأدوات تنفيذ.

فالصمت بلا قدرة عجز، والكلام بلا فعل ضجيج. أما القوة الحقيقية، فهي أن تعرف متى تصمت، ومتى تتحدث، ومتى تجعل القرار يتحدث عن نفسه.

ولا تحتاج السعودية إلى إعلان انتصارات لم تتحقق، ولا إلى تضخيم إنجازاتها.

فالنتائج العسكرية تُقاس على الأرض، والنتائج السياسية تُقاس بالاستقرار، والنتائج الاقتصادية تُقاس بقدرة الدولة والمجتمع على الاستمرار والتقدم.

دولة لا تُفرض عليها النهايات

من الأخطاء المتكررة في قراءة السياسة السعودية افتراض أن طول الأزمة دليل ضعف، أو أن تجنب التصعيد يعني العجز عن المواجهة.

فإدارة الوقت جزء من إدارة الصراع، كما أن رفض الانجرار إلى توقيت يحدده الخصم قد يكون قرارًا استراتيجيًا بحد ذاته.

لكن الصبر ليس غاية مستقلة؛ قيمته فيما يحققه من نتائج، وفي قدرته على تقليل الخسائر وحماية المصالح.

والسعودية، وهي تواجه تحديات أمنية واقتصادية وإقليمية متزامنة، تدرك أن القوة لا تُستخدم لإرضاء المتعجلين، وإنما لتحقيق الأهداف التي تبرر استخدامها.

ليس مطلوبًا من المملكة أن تنتصر في كل مواجهة بأسرع وقت، بل أن تحمي أمنها وسيادتها، وألا تسمح لخصومها بفرض شروط النهاية عليها.

وتلك هي المسافة بين رد الفعل وصناعة القرار.

وبينهما تقف دولة تعرف وزنها، وتعرف أن للحروب نهاية ينبغي أن تكون أفضل من بدايتها.

السعودية إن صمتت، بحث العالم عن دلالة صمتها. وإن تحدثت، أُنصت إلى ما تقول. أما حين تفعل، فالنتائج وحدها هي التي تتحدث.