الإعلام الذي يساوي 110 مليارات
كتب: عبدالله العميره
حين تُدفع عشرات المليارات في صفقة إعلامية، فالمشتري لا يشتري استوديوهات وشاشات فقط.
إنه يشتري الوصول إلى العقول.
هذا الأسبوع أُغلقت صفقة دمج واستحواذ ضخمة جمعت «باراماونت سكاي دانس» و«وارنر براذرز ديسكفري» بقيمة إجمالية تقارب 110 مليارات دولار، شاملة الديون، لتنتقل معها أصول كبرى، بينها CNN وCBS وHBO وWarner Bros، إلى إمبراطورية إعلامية واحدة بقيادة ديفيد إليسون.
ولذلك فالأدق أن نقول إن CNN أصبحت جزءًا من صفقة قيمتها 110 مليارات دولار، لا أن الشبكة وحدها بيعت بهذا الرقم.
قد يبدو الرقم فلكيًا.
لكنه يخبرنا بشيء مهم:
الإعلام ليس هامشًا في صناعة القوة الأمريكية.
من يدير الإعلام الأمريكي؟
لا توجد غرفة واحدة في واشنطن تقرر ماذا تقول الصحف والقنوات الأمريكية.
ملكية معظم المؤسسات الإعلامية خاصة؛ شركات مساهمة، وعائلات ثرية، ومستثمرون، وصناديق، ومجموعات عملاقة. وفوق الملكية مجالس إدارة، وتحتها إدارات تنفيذية، ثم رؤساء تحرير ومديرو أخبار ومحررون ومراسلون.
في CNN مثلًا، أبقى المالك الجديد مارك تومسون مسؤولًا عن الشبكة، وتعهد بالمحافظة على استقلالها التحريري، كما التزمت الشركة بإنشاء مجلس لمراقبة الاستقلال التحريري لـCNN وCBS بعد الجدل الذي صاحب الصفقة.
لكن «الاستقلال» لا يعني غياب المصالح.
فوسيلة الإعلام تعمل داخل شبكة واسعة من الاقتصاد والسياسة والمعلنين والمشتركين والمنافسة وسمعة العلامة والوصول إلى المسؤولين والقدرة على الاحتفاظ بالجمهور.
وهنا تبدأ المنطقة الأكثر إثارة للاهتمام:
من يملك الوسيلة ليس بالضرورة من يكتب الخبر، لكنه يستطيع أن يحدد البيئة التي يُكتب فيها الخبر.
هل الإعلام الأمريكي محايد؟
الحياد المطلق فكرة جميلة، لكنها نادرة.
المؤسسات الكبرى لديها مدارس تحريرية، وجمهور تعرفه، وأولويات وزوايا، وفي بعض الأحيان ميول سياسية واضحة.
لكن قوة الإعلام الأمريكي لا تأتي فقط من موقفه السياسي.
تأتي أيضًا من احترافيته المؤسسية.
محررون متخصصون.
فرق تحقق.
محللون يملكون علمًا وخبرات واسعة، يقرأون الحدث بعمق، ويعرفون كيف يقدّمون ما يريدون باحتراف غير مباشر، بعيدًا عن خطاب الذات القديم والتقليدي.
ولا مكان في العمل المهني الحقيقي لتقديم شخصيات سطحية بسبب علاقة خاصة أو مجاملة أو فرض إداري، على حساب كفاءات احترافية قادرة على الفهم والتحليل والتأثير.
مكاتب قانونية.
مراسلون في العواصم.
بيانات وأبحاث للجمهور.
وغرف أخبار تعمل على مدار الساعة.
قد تختلف مع الخبر، أو زاويته، أو توقيته، لكنك أمام صناعة لها أدواتها ونظامها.
والعمل الإعلامي المتكامل يحتاج إلى ميزانيات حقيقية؛ فالتطوير المستمر لا يتحقق من دون تمويل مستمر.
والإعلام، كغيره من الصناعات، لا يعمل بكفاءة من دون مال، وإدارة محنكة، وطاقم عالي المهنية؛ بل إن حاجته إليها أشد.
فالمال وحده لا يصنع إعلامًا، لكنه يمنح المهنية أدواتها؛ والإدارة الجيدة تعرف كيف تحوّل هذه الأدوات إلى تأثير.
حين تنقل وسيلة أمريكية رواية الخصم
هنا يظهر سؤال لا أحب تجاوزه بسهولة:
هل الاحترافية الإعلامية تعني أن تنقل وسيلة أمريكية رواية عدو معلن لبلادها؟
حين تهتم CNN وبعض وسائل الإعلام الغربية، ومنها رويترز، بنقل روايات إيرانية أو تمنحها مساحة واسعة، فهناك أكثر من احتمال.
هل هذه حرية مهنية تقوم على عرض رواية الطرف الآخر؟
أم أنها قدرة إيرانية على اختراق المشهد الإعلامي وصناعة رواية قابلة للتداول؟
أم أن بعض ما نراه يدخل أصلًا في إدارة أمريكية أوسع للمعلومات والحرب النفسية؛ بحيث تُترك رواية الخصم تتحرك وتُراقب، وربما تُستثمر سياسيًا وأمنيًا؟
لكن يبقى السؤال الأصعب: ماذا لو كانت الوسيلة تعرف أن الرواية مضللة، ثم تنقلها وتمنحها مساحة واسعة؟
عندها لا يعود السؤال متعلقًا بحرية نقل رواية الخصم فقط، بل بالقرار التحريري نفسه: لماذا اختيرت هذه الرواية؟ ولماذا أُبرزت؟ ومن المستفيد من تحويلها إلى رواية قابلة للتداول؟
أنا لا أتعامل مع الإعلام الأمريكي بوصفه عالمًا يعمل بالعفوية.
في الولايات المتحدة لا توجد وزارة إعلام تدير الصحافة والقنوات أو تراقبها بالمعنى التقليدي، لكن غياب الوزارة لا يعني غياب الدولة، ولا غياب المؤسسات الأمنية، ولا شبكات النفوذ والمصالح.
الإدارة هناك أكثر تطورًا؛ فقد تجاوزت كثيرًا من أساليب الرقابة الروتينية التي تحد من الإبداع، وكأن مجرد السماح لشخص بالعمل في الإعلام يعني أنه يحتاج إلى رقيب فوق رأسه، أو إلى أجندة رقابية يحددها موظف قد لا يفهم أصلًا طبيعة الإعلام وأبعاده.
لكن هذا لا يعني حرية مطلقة بلا مسؤولية أو حساب قانوني.
وحين يتولى المسؤولية من يفهم معنى الحرية المسؤولة وحدودها المهنية والقانونية، تقل الحاجة أصلًا إلى الرقابة المباشرة.
وفي المقابل، لا يعني ذلك أن نتعامل مع الإعلام الغربي وكأنه مرجع لا يخطئ، أو مصدر منزّه عن الأجندات والمصالح والانحيازات.
الاحتراف لا يلغي الأجندة.
لكنه يجعلها أكثر ذكاءً، وأقل فجاجة، وأصعب اكتشافًا.
وتاريخ العلاقة بين الاستخبارات الأمريكية والإعلام معروف وموثق، حتى وإن تغيرت أدواته وقواعده بمرور الزمن.
أما اليوم، فأنا أرى، من خلال تجربتي ومتابعتي، أن من الصعب تصور صناعة إعلامية بهذا الحجم والتأثير تعمل خارج حسابات الدولة الكبرى تمامًا.
ولذلك لا أقرأ كل هجوم يشنه ترامب على CNN أو غيرها باعتباره دليلًا على أن هذه الوسائل خرجت من المنظومة الأمريكية.
قد تختلف السلطة مع وسيلة إعلام.
وقد تدخل معها في صراع علني.
لكن الخلاف داخل المنظومة لا يعني بالضرورة الخروج منها.
في أمريكا، الإعلام قوة. والقوة نادرًا ما تُترك بلا حساب.
إيران والإعلام
الحرب الأمريكية الإيرانية أعادت الخلاف بين البيت الأبيض وبعض وسائل الإعلام إلى الواجهة.
الإدارة الأمريكية اتهمت CNN و«نيويورك تايمز» بنقل روايات إيرانية، وهاجمت تحديدًا تقارير عن خطة إيرانية من عشر نقاط، واتهمت CNN بتقديم مواد ترى الإدارة أنها تخدم الدعاية الإيرانية.
وهذه اتهامات صادرة عن البيت الأبيض، وليست حكمًا مستقلًا على صحة التغطية.
في المقابل، دخلت CNN ووسائل أمريكية أخرى في نزاع قضائي مع الإدارة بعد تقييد وصولها إلى البيت الأبيض، معتبرة الإجراءات عقابًا على تغطية لا ترضي الرئيس، بينما دفعت الإدارة بأن القضية تتعلق بالدقة والأمن القومي والسلوك المهني.
وهذه المواجهة تكشف شيئًا مهمًا:
حتى داخل الدولة التي تمتلك واحدة من أضخم الصناعات الإعلامية في العالم، تظل العلاقة بين السلطة والصحافة علاقة شد وجذب.
السلطة تريد روايتها.
والصحافة تريد حقها في صناعة روايتها.
والجمهور بينهما.
لماذا تبدو وسائل أجنبية أقرب إلى أمريكا؟
المسألة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في العمق أكثر تعقيدًا.
الولايات المتحدة تنتج كمًا هائلًا من الأخبار والمعلومات والصور والتحليلات والدراسات والمؤتمرات الصحفية والبيانات الحكومية ومخرجات مراكز الأبحاث.
واللغة الإنجليزية هي اللغة الأكثر حضورًا في الإعلام الدولي.
كما أن المؤسسات الأمريكية تمتلك شبكات توزيع ضخمة، ومراسلين، ومنصات رقمية، وشراكات، ومحتوى يعاد نشره في مختلف أنحاء العالم.
وهكذا تصبح الرواية الأمريكية متاحة أسرع وأوسع، فتتبناها مؤسسات خارج الولايات المتحدة، ليس بالضرورة بسبب الولاء، بل أحيانًا لأن بنيتها الإعلامية أضعف من أن تنتج رواية مستقلة بالسرعة والكفاءة نفسيهما.
وهنا الفرق كبير.
من لا يصنع روايته، سيجد نفسه يستهلك رواية غيره.
110 مليارات من أجل ماذا؟
صفقة بهذا الحجم ليست شراء كاميرات ومبانٍ.
إنها شراء جمهور.
وثقة.
وذاكرة.
وأرشيف.
ومشاهير.
ومنصات توزيع.
وقدرة على تحديد ما يراه ملايين البشر أولًا، وما يعتبرونه مهمًا، وما يناقشونه غدًا.
ولهذا يفهم الأمريكيون قيمة الإعلام.
لا يتعاملون معه بوصفه نشرة أخبار تنتهي بعد نصف ساعة، ولا عنوانًا يُطرح ثم يُترك للجمهور ليفسره كيفما اتفق.
بل يعملون على بناء الرسالة كاملة:
ماذا يقال، وكيف يقال، ومتى، ولأي جمهور.
إنهم يتعاملون معه بوصفه صناعة، ونفوذًا، وسوقًا، وأداة قوة.
وأنا أعتبر وجود أجندة في حد ذاته أقل خطورة من غياب المنهج.
أن تعمل وفق أجندة بذكاء، خير من أن تعمل بلا هدف.
الأجندة يمكن كشفها.
يمكن مناقشتها.
يمكن منافستها.
أما العشوائية فلا تنتج إعلامًا أصلًا.
كيف تغلب إعلامًا أقوى منك؟
لا يمكنك منع الإعلام الآخر من العمل.
ولا تستطيع أن تمنع الناس من مشاهدته.
لكن يمكنك أن تنافسه، وربما تتفوق عليه، إذا امتلكت بعض ما يملك:
المعلومة الصحيحة قبل غيرك.
السرعة من دون التضحية بالدقة.
محررًا يفهم الحدث، لا ناقلًا يكرر البيان.
مراسلًا يعرف ما يسأل عنه.
تحليلًا يفسر الخبر بدل أن يعيده.
لغة تحترم عقل المتلقي.
مصادر متعددة، لا مصدرًا واحدًا يحدد لك العالم.
قدرة على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه.
استقلالًا مهنيًا يحمي الخبر من المزاج الشخصي.
تقنية توصل المحتوى إلى الجمهور حيث يوجد.
وفوق ذلك كله:
رؤية تعرف لماذا تعمل، ولمن تعمل، وماذا تريد أن تقول.
وسائل الإعلام مهمة لأنها تؤثر.
وفي أمريكا يدركون قوتها وتأثيرها؛ لذلك يدفعون فيها المليارات، ويبنون حولها مؤسسات ومنهجيات، لا ارتجالات.
وإذا كانت بعض وسائل الإعلام الكبرى تعمل وفق أجندات، فهذا لا يلغي قوتها.
بل يطرح علينا السؤال الأصعب:
هل نملك نحن إعلامًا يعرف أجندته، ويبني أدواتها بذكاء ومهنية، أم نكتفي بالشكوى من أجندات الآخرين؟
الإعلام، كغيره من العلوم والصناعات، يتطور كل ساعة وكل يوم.
ومن لا يدخل السباق مبكرًا، سيظل يراقب الآخرين وهم يصعدون.
وفي النهاية، تبقى قاعدة لا تتغير:
من لا يملك إعلامه، لا يملك حريته.
فإذا لم نسارع إلى تطوير أدواتنا وعقولنا ومنهجياتنا، سيمضي المتسابقون نحو القمة، ونبقى نحن نخاطب أنفسنا، وندور في المكان ذاته، ثم نتساءل لماذا سبقونا.
وسؤال أخير، والإجابة عندكم:
هل تتقدم أمريكا العالم بقوتها العسكرية فقط؟