نوبل.. هل تصنع السلام؟

news image

فوز نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام 2026 يعيد السؤال القديم: هل تكافئ الجائزة صانعي السلام فقط، أم تحاول أن تصنع لهم تأثيرًا في عالم لم تتوقف فيه الحروب؟

 

9 أكتوبر 2026

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH

فازت الحقوقية والقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، تقديرًا لمسيرتها في الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان والمساءلة عن جرائم الحرب، بعد عقود عملت خلالها في القضاء الدولي والأمم المتحدة. وسيُسلَّم التكريم في أوسلو في 10 ديسمبر المقبل.

كيف بدأت الجائزة؟

تعود الجائزة إلى الصناعي والكيميائي السويدي ألفرد نوبل، مخترع الديناميت، الذي وقّع وصيته الأخيرة في 27 نوفمبر 1895، وخصص معظم ثروته لإنشاء خمس جوائز تمنح لمن يقدمون «أعظم فائدة للبشرية».

وفي باب السلام، نصت الوصية على تكريم من يعمل من أجل التآخي بين الأمم، وخفض الجيوش الدائمة، وعقد مؤتمرات السلام وتشجيعها. وتوفي نوبل عام 1896، ثم مُنحت الجائزة للمرة الأولى عام 1901، وتقاسمها مؤسس الصليب الأحمر هنري دونان والناشط الفرنسي فريدريك باسي. 

وتُمنح جائزة السلام في أوسلو، بخلاف بقية جوائز نوبل التي تُدار من مؤسسات سويدية، ويختار الفائز بها خمسة أعضاء تعيّنهم الجمعية الوطنية النرويجية. ولم يترك نوبل تفسيرًا حاسمًا لسبب إسناد جائزة السلام تحديدًا إلى النرويج. 

وكان لنوبل اهتمام مبكر بحركات السلام، كما أثرت فيه علاقته بالناشطة النمساوية برتا فون سوتنر، التي أصبحت لاحقًا من أبرز رموز الحركة السلمية وحصلت على الجائزة عام 1905. 

كيف يُحتفى بالفائز؟

تُسلَّم جائزة نوبل للسلام في 10 ديسمبر من كل عام، ذكرى وفاة ألفرد نوبل، خلال مراسم رسمية في قاعة بلدية أوسلو. يحضر الحفل أفراد من العائلة المالكة النرويجية، وممثلون عن الحكومة والبرلمان والسلك الدبلوماسي، إلى جانب ضيوف مدعوين وشخصيات من المجتمع المدني، ويقترب عدد الحضور من ألف شخص.

ويبدأ البرنامج بكلمة لرئيس لجنة نوبل النرويجية يشرح فيها أسباب الاختيار، ثم يتسلم الفائز ميدالية نوبل وشهادة الجائزة، قبل أن يلقي «محاضرة نوبل» التي يقدم فيها رؤيته ورسالة السلام الخاصة به. ويتخلل الحفل عدد من الفقرات الفنية. 

وفي مساء اليوم نفسه تقام مأدبة نوبل للسلام في فندق «غراند» وسط أوسلو، بحضور يقارب 250 ضيفًا، بينهم أعضاء لجنة نوبل، ورئيس البرلمان، ورئيس الوزراء، وشخصيات رسمية وعامة وضيوف للفائز.

وتبدأ احتفالات الجائزة عادة في 9 ديسمبر بمؤتمر صحفي ولقاءات رسمية، وتستمر في 11 ديسمبر بمنتدى نوبل للسلام وافتتاح المعرض السنوي الخاص بالجائزة.

ماذا يحصل الفائز؟

يحصل الفائز بجائزة نوبل للسلام على ثلاثة أشياء رئيسية:

ميدالية نوبل الذهبية، وشهادة رسمية مصممة خصيصًا للفائز، ومكافأة مالية.

وتبلغ قيمة الجائزة الكاملة حاليًا 11 مليون كرونة سويدية، أي قرابة مليون دولار بحسب سعر الصرف، وتُقسم إذا اشترك أكثر من فائز في الجائزة.

ترامب ونوبل

عاد اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الجدل حول الجائزة في السنوات الأخيرة، بعدما أعلنت حكومات وشخصيات عامة أنها رشحته، ومن بينها جهات في باكستان وإسرائيل وكمبوديا. لكن لجنة نوبل لا تعلن أسماء المرشحين قبل الحسم ولا تؤكدهم؛ إذ تبقى سجلات الترشيحات سرية لمدة 50 عامًا. أما اسم الفائزة، الحقوقية والقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، فقد أُعلن اليوم رسميًا بوصفها الفائزة بجائزة نوبل للسلام لعام 2026. والمؤكد أن الجائزة شهدت هذا العام 287 ترشيحًا لأفراد ومنظمات.

وتحدث ترامب مرارًا عن الجائزة ورأى أن دوره في اتفاقات وتسويات دولية يستحق التقدير، لكن لجنة نوبل اختارت هذا العام بيلاي. ولا تعلن اللجنة عادة أسباب استبعاد أي مرشح، بل تشرح فقط أسباب اختيار الفائز. 

هل تحفّز السلام؟

هنا السؤال الأهم.

جائزة نوبل لا توقف حربًا بقرار، ولا تملك جيشًا، ولا تفرض اتفاقًا على المتحاربين. قوتها رمزية وسياسية وأخلاقية؛ تمنح صاحبها شرعية دولية، وتسلط الضوء على قضية، وقد تحمي ناشطًا أو مؤسسة من النسيان، وتمنحهما نفوذًا وموارد أكبر.

واللافت أن لجنة نوبل نفسها أقرت تاريخيًا بأنها لا تنظر فقط إلى الإنجاز السابق، بل تضع في اعتبارها أحيانًا الأثر الإيجابي المتوقع للجائزة في مسار السلام. أي أن نوبل لا تريد دائمًا تكريم سلام تحقق؛ بل تحاول أحيانًا دفع سلام لم يكتمل بعد. 

لكن التاريخ يقدم الوجه الآخر.

منذ أن عرف الإنسان البارود، ثم المدفع والدبابة والصاروخ والطائرة المسيّرة، لم تختفِ الحرب. وجائزة نوبل نفسها عاصرت حربين عالميتين، وحروبًا أهلية وإقليمية، وسباقات تسلح، وصراعات لا تزال مشتعلة حتى اليوم.

بل إن الجائزة لم تُمنح في 19 عامًا منذ تأسيسها، وبينها سنوات من الحربين العالميتين، في صورة تختصر أحيانًا عجز فكرة السلام أمام اتساع الحرب.

قراءة BETH

لو قسنا نجاح نوبل بقدرتها على إنهاء الحروب، فلن تكون الجائزة قد حققت مهمتها.

لكن هذا ربما ليس معيارها الحقيقي.

فالجائزة لا تصنع السلام وحدها؛ إنها تمنح صوتًا لمن يحاول صنعه.

ومنذ 1901 لم تتوقف الحروب، لكن لم تتوقف أيضًا محاولات منعها، والتفاوض لإنهائها، ومحاسبة من يرتكب جرائمها، ومساعدة ضحاياها.

وهنا تكمن مفارقة نوبل:

الجائزة وُلدت من ثروة رجل ارتبط اسمه بالمتفجرات، ثم أصبحت أشهر مكافأة في العالم لمن يحاولون إبعاد البشر عن المتفجرات.

وبعد 125 عامًا، لا يزال السؤال مفتوحًا:

هل نوبل جائزة لمن يصنع السلام.. أم تذكير سنوي بأن العالم ما زال بحاجة إلى من يصنعه؟