اتفاق مكة يدخل الاختبار

news image

وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان يفتحون الطريق لاجتماع عاجل لرؤساء الأركان لدعم السعودية بعد الهجمات الحوثية؛ ومجلس الأمن يمنح الرياض غطاءً دوليًا أوسع، فيما يتحول الاتفاق من البناء المؤسسي إلى اختبار آليات الدفاع المشترك

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

لم يعد اتفاق مكة للدفاع المشترك أمام سؤال التأسيس، بل أمام سؤال أكثر مباشرة:

ماذا يفعل الحلف عندما تتعرض إحدى دوله لهجوم؟

هذا هو جوهر التطور الجديد.

ففي نيويورك، ناقش وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان الترتيبات الجارية لعقد اجتماع عاجل لرؤساء أركان الدول الثلاث، لبحث سبل مساندة المملكة في إطار الاتفاق الذي ينص على أن الاعتداء على أي طرف يُعد اعتداءً على الأطراف جميعًا. كما بحث الوزراء الوضع الإقليمي، وأمن الملاحة، وإنشاء الأمانة العامة واللجان وفرق العمل التابعة للاتفاق. 

والأهمية هنا ليست في الاجتماع بحد ذاته.

فمنذ توقيع الاتفاق في مكة في أغسطس، ثم الاجتماع المؤسسي الأول في إسطنبول نهاية الشهر نفسه، تحركت الدول الثلاث بسرعة لبناء هيكل دائم: لجنة سياسية ودفاعية استراتيجية، أمانة عامة، فرق عمل، ومسار للتعاون العسكري والدفاعي. وكان اجتماع إسطنبول قد شهد أول قرارات مؤسسية للحلف، بمشاركة وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان للدول الثلاث.

أما الآن، فالوضع مختلف.

الهجمات الحوثية على السعودية تنقل الاتفاق من التخطيط لما قد يحدث إلى التعامل مع ما حدث بالفعل.

 

من التضامن إلى الآلية

أدان الوزراء الثلاثة الهجمات التي استهدفت مكة المكرمة والمنشآت المدنية والاقتصادية في السعودية، وأكدوا حق المملكة في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة للدفاع عن أمنها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

وهذا مهم سياسيًا، لكنه ليس جديدًا وحده.

الجديد هو أن الإدانة اقترنت مباشرة بالتحضير لاجتماع رؤساء الأركان.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للاتفاق:

هل يترجم مبدأ «الهجوم على طرف هو هجوم على الجميع» إلى ترتيبات عملية في الدفاع الجوي، الإنذار المبكر، تبادل المعلومات، حماية المنشآت، الأمن البحري، والتنسيق العملياتي؟

هذه المجالات لم تُعلن حتى الآن باعتبارها قرارات اتُّخذت، لكنها تمثل أكثر المسارات منطقية لطبيعة اجتماع عسكري بهذا المستوى.

كما أعلنت مصادر تركية أن رئيس الأركان التركي سيتوجه إلى السعودية للمشاركة في اجتماع رؤساء أركان اتفاق مكة، لكن لم يصدر حتى مساء الجمعة إعلان سعودي رسمي عن وصوله أو بدء الاجتماع. ولذلك يبقى المؤكد حتى الآن هو التحضير العاجل للاجتماع، لا إعلان نتائجه. 

 

مجلس الأمن يدين الهجمات على السعودية

بالتوازي، جاءت إدانة مجلس الأمن الدولي للهجمات الحوثية على السعودية لتضيف بعدًا آخر إلى التطور.

فالمجلس أدان الهجمات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية للطاقة، وجدد إدانة التهديدات الموجهة إلى الملاحة التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، ودعا الحوثيين إلى وقف التصعيد والهجمات على المدنيين والأعيان المدنية. كما شدد أعضاء المجلس على احترام قرارات حظر السلاح ودعم الحكومة اليمنية ووحدة اليمن وسيادته. ا

والأهم أن النقاش داخل المجلس لم يعد ينظر إلى الحوثيين بوصفهم ملفًا يمنيًا فقط.

تقدمهم باتجاه باب المندب، والهجمات على السعودية، واستهداف الملاحة، وتفاقم الوضع الإنساني داخل اليمن، أصبحت تُقرأ بوصفها أجزاء من أزمة واحدة تمس الأمن الإقليمي والتجارة الدولية. وأظهرت جلسات المجلس الأخيرة قلقًا من نزوح أكثر من 126 ألف شخص مع استمرار التصعيد، إلى جانب بقاء 73 من موظفي الأمم المتحدة رهن الاحتجاز لدى الحوثيين.

 

أين يتقاطع المساران؟

هنا تظهر أهمية اللحظة.

اتفاق مكة يمنح السعودية إطارًا دفاعيًا إقليميًا ناشئًا.

ومجلس الأمن يمنحها غطاءً سياسيًا دوليًا أوسع في مواجهة الهجمات الحوثية وتهديد الملاحة.

الأول يفتح سؤال: كيف تدعم الدول الثلاث بعضها عسكريًا؟

والثاني يوسع السؤال: كيف يمنع المجتمع الدولي الحوثيين من تحويل اليمن والبحر الأحمر إلى مصدر تهديد متكرر للسعودية والتجارة العالمية؟

وهذا التقاطع يمنح الرياض مساحة أكبر للحركة؛ ليس لأنها تحتاج من يدافع عنها، بل لأنها تواجه التهديد ضمن شبكة أوسع من الشرعية السياسية والتعاون الدفاعي.

 

ماذا يعني ذلك للحرب؟

حتى الآن، لا توجد إشارة رسمية إلى قرار بعمل قتالي مشترك تحت مظلة اتفاق مكة.

لكن مجرد انتقال الملف إلى رؤساء الأركان يعني أن الحلف دخل مرحلة مختلفة.

فالحلف الذي كان قبل أسابيع يناقش البنية، اللجان، الصناعة الدفاعية، والتشغيل المشترك، بات يناقش الآن كيفية مساندة عضو يتعرض لهجمات فعلية.

وهذا قد يقود أولًا إلى إجراءات دفاعية منخفضة المخاطر السياسية وعالية القيمة العسكرية: تبادل معلومات، تكامل أنظمة الرصد، دعم الدفاع الجوي، حماية خطوط الطاقة، أمن البحر الأحمر، ورفع مستوى الجاهزية المشتركة.

أما الانتقال إلى عمليات مباشرة داخل اليمن، فسيكون قرارًا أكبر بكثير، ويتطلب مستوى سياسيًا وعسكريًا مخت .

 

قراءة BETH

التحول الأهم ليس أن حلف مكة بدأ؛ فهذا حدث في أغسطس.

التحول هو أنه أصبح أمام أول امتحان لمعناه الحقيقي.

إذا خرج اجتماع رؤساء الأركان بآلية واضحة لدعم السعودية، فسينتقل الاتفاق من مرحلة «الردع النظري» إلى الردع القابل للتنفيذ.

وإذا بقي التحرك في إطار التنسيق السياسي فقط، فسيظل السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة الحلف على تحويل نصوصه إلى أدوات.

لكن وجود عاملين متزامنين — تحرك عسكري ثلاثي، وموقف موحد من مجلس الأمن ضد التصعيد الحوثي — يجعل اللحظة مختلفة عن كل ما سبق.

 

المآلات

الأقرب أن تبدأ المرحلة المقبلة من الدفاع لا الهجوم.

أي أن يركز اتفاق مكة على تقوية قدرة السعودية وشركائها على منع الاستهداف، ورفع كلفة أي محاولة جديدة، وتأمين البحر الأحمر والطاقة والممرات الحيوية.

فإذا نجح ذلك، يكون الحلف قد حقق أول أهدافه.