اليوم 204: الحرب تبحث عن مخرج

news image

اتصالات أمريكية إيرانية في نيويورك بعد 204 أيام من الحرب؛ السعودية تحبط محاولات الاستهداف وتحتفظ بحق الرد، وهرمز يبقى ورقة ضغط رئيسية فيما تتحرك القوى الكبرى نحو اختبار شروط النهاية

 

24 سبتمبر 2026

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH

دخلت الحرب يومها الـ204 وهي تحمل للمرة الأولى منذ فترة إشارات متزامنة إلى البحث عن مخرج سياسي، من دون توقف أدوات الضغط العسكري.

أكد المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أن مسؤولين أمريكيين وإيرانيين أجروا محادثات غير مباشرة مطولة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فيما قال الرئيس دونالد ترامب إن جولة أخرى متوقعة قريبًا. ولم تُعلن تفاصيل ما نوقش أو ما إذا كانت المحادثات أنتجت تفاهمات أولية.

هذا وحده يمثل تحولًا.

فبعد أكثر من ستة أشهر من الحرب، انتقلت واشنطن وطهران من تبادل الرسائل والوسطاء إلى اختبار مباشر لشروط التسوية، بينما تبقى العمليات العسكرية والعقوبات والضغط على الملاحة جزءًا من التفاوض نفسه.

السعودية تحبط الهجمات

على الجبهة السعودية، استمرت محاولات الحوثيين استهداف مدن ومواقع داخل المملكة بالصواريخ والمسيّرات.

واعترضت القوات صاروخًا باليستيًا كان متجهًا نحو الرياض في 19 سبتمبر من دون تسجيل أضرار، بعد اعتراض محاولات أخرى استهدفت بيش والطائف وفرسان وينبع. وأكدت قيادة التحالف أنها تراقب مصادر التهديد وأن لها اتخاذ الإجراءات اللازمة لردع الهجمات.

وقبل ذلك، أعلنت السعودية أن أمنها وسلامة أراضيها ومقدراتها مبدأ ثابت لا يمكن المساس به، وأن حقها في الدفاع عن سيادتها ومواطنيها ومصالحها الحيوية ثابت وفق القانون الدولي.

هذه هي النقطة الأساسية في قراءة المشهد:

السعودية لا تنتظر من يدافع عنها؛ بل تدير التهديد عسكريًا وسياسيًا وفق توقيتها وحساباتها.

أما المواقف الأمريكية والعربية والإسلامية والأوروبية التي صدرت خلال الأيام الماضية، فهي تضيف إسنادًا سياسيًا دوليًا لموقف الرياض وتدين استهداف أراضيها، من دون أن تغير حقيقة أن قرار الرد السعودي وقدرته العسكرية يظلان بيد المملكة.

وفي نيويورك، أكدت السعودية وتركيا وباكستان ومصر استمرار التنسيق بينها، وأدانت الهجمات على المملكة وأكدت دعم أمنها وسلامة أراضيها.

كما أدان مجلس الأمن الهجمات الحوثية وأكد حق السعودية في الدفاع عن نفسها، وطالب بتعزيز تنفيذ حظر الأسلحة المفروض على الحوثيين ووقف تدفق السلاح والتمويل إليهم.

هرمز يبقى العقدة

المضيق لا يزال أحد أهم مفاتيح الحرب.

واشنطن تريد استعادة حرية الملاحة بصورة مستقرة، بينما تستخدم إيران قدرتها على تهديد المرور البحري كورقة تفاوض وضغط اقتصادي.

والواقع الحالي لا يشير إلى عودة هرمز إلى وضعه الطبيعي؛ لكنه أيضًا لم يعد ورقة يمكن التحكم بها بالطريقة نفسها التي ظهرت في الأسابيع الأولى من الحرب.

التواجد العسكري الأمريكي، وعمليات حماية الملاحة، والضغط على القدرات الإيرانية حول المضيق غيّرت المعادلة تدريجيًا.

لذلك لم يعد السؤال فقط:

هل يُفتح هرمز؟

بل:

من يحدد قواعد المرور فيه بعد الحرب؟

وهذه مسألة أكبر من إيران والولايات المتحدة؛ لأنها تمس الصين ودول الخليج والاقتصاد العالمي كله.

واشنطن تغيّر السؤال

أمام الجمعية العامة، لم يتحدث ترامب عن انتصار عسكري نهائي بقدر ما وضع إيران أمام خيارين: اتفاق أو استمرار الضغط. وفي الوقت نفسه، دخل مبعوثوه في محادثات معها.

الجمع بين المسارين مقصود.

واشنطن تريد أن تصل إيران إلى التسوية وهي تدرك أن استمرار الحرب لن يعيد ميزان ما قبلها.

ولهذا ستبقى الضربات والعقوبات والبحر واليمن أدوات ضغط حتى أثناء التفاوض.

الصين تراقب

وتبقى الصين الطرف الأكبر الذي يصعب استبعاده من أي ترتيب طويل الأمد.

بكين تعتمد على استقرار تدفقات الطاقة من الخليج، ولها مصالح اقتصادية كبيرة مع إيران ودول المنطقة؛ ولذلك فإن استمرار تهديد هرمز يضر بمصالحها حتى لو اختلف موقفها السياسي مع واشنطن.

وليس المطلوب أن تصبح الصين وسيطًا رسميًا حتى تؤثر.

يكفي أن تصبح استعادة استقرار الطاقة والملاحة مصلحة مشتركة بين قوى لا تتفق على كثير من الملفات الأخرى.

وهنا يمكن أن تظهر واحدة من أهم مفارقات هذه الحرب:

التنافس الأمريكي الصيني قد يستمر، لكن هرمز يمكن أن يدفع الطرفين إلى نقطة مصلحة واحدة.

قراءة BETH

بعد 204 أيام، بدأت صورة الحرب تتغير.

إيران لم تعد تواجه الضغط الأمريكي فقط؛ بل تواجه أزمة ملاحة وعقوبات وضغطًا اقتصاديًا وجبهات مرتبطة بها من اليمن إلى العراق.

والولايات المتحدة، رغم استمرار قدرتها العسكرية، لديها هي الأخرى مصلحة في منع حرب بلا سقف زمني وعودة الاستقرار إلى أسواق الطاقة.

أما السعودية، فتتعامل مع جبهة الحوثي باعتبارها تهديدًا مباشرًا لسيادتها، وتترك لنفسها توقيت وطبيعة الرد، بينما تتسع حولها دائرة الإدانة والدعم السياسي الدولي.

وهذا التفريق مهم.

فالدعم الدولي يزيد عزلة الحوثي، لكنه ليس بديلًا عن القوة السعودية ولا عن القرار السعودي.

ماذا نراقب؟

خلال المرحلة المقبلة، هناك ثلاثة مؤشرات أهم من التصريحات:

أولًا: هل تنتقل المحادثات الأمريكية الإيرانية من جس النبض إلى تفاوض على شروط محددة.

ثانيًا: هل يتراجع التصعيد في هرمز بالتزامن مع المفاوضات، أم تستخدمه طهران لرفع السعر قبل الاتفاق.

ثالثًا: كيف ستتعامل السعودية مع استمرار المحاولات الحوثية، وهل تنتقل من الاعتراض والردع إلى توسيع استهداف مصادر التهديد داخل اليمن.

الحرب لم تصل إلى نهايتها.

لكن بعد 204 أيام، أصبح السؤال الأكثر وضوحًا:

ما الثمن الذي سيدفعه كل طرف كي تتوقف؟

 

ختاماً


أمام العالم اليوم معادلة لافتة:

قوة عسكرية أمريكية ضخمة، وانحسار في القدرات الإيرانية وفق التقديرات الأمريكية، وتهديد مستمر بمزيد من الضربات.

وفي الجهة الأخرى، تفاوض لا يتوقف، ومساحة واسعة تمنحها واشنطن لطهران للمناورة والمراوغة وإعادة طرح الشروط وتأجيل الحسم.

وهنا تكمن مفارقة اليوم 204:

إذا كانت واشنطن تملك هذا التفوق العسكري، وتقول إن معظم القدرات الإيرانية دُمّرت، فلماذا لا يزال التفاوض يدور بالوتيرة نفسها؟

ربما لم تعد المسألة تتعلق بالقدرة على مواصلة الحرب، بل بالثمن السياسي والاقتصادي الذي تريد واشنطن انتزاعه قبل أن تقرر كيف تنهيها.