الدبلوماسية السعودية تتحرك من نيويورك

news image

من غزة وخفض التصعيد إلى سوريا والتنسيق الخليجي والعربي والإسلامي والعلاقة مع واشنطن وأوروبا؛ نشاط الأمير فيصل بن فرحان يكشف تحركًا سعوديًا متعدد الدوائر يتجاوز كثافة اللقاءات إلى بناء شبكة سياسية حول ملفات المنطقة

 

نيويورك | تقرير خاص

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

لا تبدو تحركات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في نيويورك مجرد برنامج مزدحم على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.

عند جمع اللقاءات والاجتماعات المتناثرة في صورة واحدة، يظهر مسار أكثر وضوحًا: الرياض تتحرك في عدة دوائر في الوقت نفسه؛ خليجيًا، وعربيًا وإسلاميًا، وإقليميًا، ثم مع الولايات المتحدة وأوروبا، مع إبقاء القضية الفلسطينية في صدارة التحرك. ويرأس الأمير فيصل وفد المملكة  في الأسبوع رفيع المستوى، بمشاركة مسؤولين سعوديين في ملفات السياسة والمناخ والإغاثة والصحة والعمل متعدد الأطراف.

 

غزة من الملف إلى المسار

أبرز الخطوط هو الملف الفلسطيني.

شارك الأمير فيصل في الاجتماع التنسيقي لوزراء خارجية ثماني دول عربية وإسلامية، الذي ركز على الوضع الإنساني في غزة وتطورات الضفة الغربية وتوحيد المواقف الدولية، كما شاركت المملكة في اجتماعات أخرى ضمت مصر وقطر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا لمتابعة وقف إطلاق النار والمساعدات وإعادة تأهيل البنية الأساسية.

لكن التحرك تجاوز إدارة الأزمة اليومية.

ففي نيويورك، شارك وزير الخارجية السعودي مع فرنسا والمملكة المتحدة وكندا في رئاسة اجتماع رفيع المستوى بعنوان «الطريق إلى الأمام: عام على إعلان نيويورك وخطة السلام الشاملة»؛ ما يضع التحرك السعودي في مسار أوسع يربط وقف الحرب بالحل السياسي ومستقبل القضية الفلسطينية.

وهنا تظهر سمة واضحة:

السعودية لا تتعامل مع غزة بوصفها أزمة إنسانية منفصلة، بل بوصفها قضية سياسية يجب أن تنتهي بمسار قابل للاستمرار.

 

دائرة إقليمية أوسع

إلى جانب فلسطين، يتحرك الوزير داخل شبكة إقليمية تضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان.

اجتماع المجموعة الرباعية في نيويورك تناول أزمات المنطقة وسبل خفض التوتر وتكثيف الجهود الدبلوماسية والتنسيق بين الدول الأربع، وهي مجموعة تجمع أربع دول كبيرة بثقل سياسي وعسكري وجغرافي يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط وجنوب آسيا.

القيمة هنا ليست في اجتماع منفرد.

بل في استمرار الإطار نفسه.

فعندما تتكرر اللقاءات بين الرياض والقاهرة وأنقرة وإسلام آباد، يتحول التنسيق من رد فعل على أزمة إلى قناة سياسية تستطيع التعامل مع أكثر من ملف في الوقت نفسه.

 

سوريا على الطاولة

وفي مسار أكثر تخصيصًا، جمع الأمير فيصل في نيويورك وزيري خارجية سوريا وتركيا في اجتماع ثلاثي.

وجود السعودية في هذا الإطار يحمل دلالة عملية؛ لأن الملف السوري يتقاطع مع تركيا أمنيًا وسياسيًا، بينما تسعى دمشق إلى تثبيت علاقاتها الإقليمية وإعادة بناء مؤسسات الدولة وعلاقاتها الخارجية.

وبذلك لا تتحرك الرياض حول الأزمة السورية من خارجها فقط، بل تجمع الأطراف ذات العلاقة المباشرة في مساحة واحدة للحوار.

 

من المنطقة إلى واشنطن

التحرك السعودي لم يبق داخل الدائرة العربية والإسلامية.

شارك الأمير فيصل كذلك في اجتماع إقليمي أمريكي على هامش الجمعية العامة، في وقت تتداخل فيه ملفات إيران وأمن الملاحة وغزة والطاقة والتصعيد الإقليمي مع العلاقة بين واشنطن ودول المنطقة.

وهذا يضيف مستوى آخر إلى النشاط السعودي:

التنسيق داخل المنطقة أولًا، ثم نقل الموقف الإقليمي إلى الحوار مع القوة الدولية الأكثر تأثيرًا في ملفاتها.

ليس انتقالًا من محور إلى آخر، بل عمل في الدائرتين بالتوازي.

 

الخليج ككتلة واحدة

وفي نيويورك أيضًا، شارك وزير الخارجية في الاجتماع التنسيقي للمجلس الوزاري الخليجي، ثم الاجتماعات الوزارية بين مجلس التعاون وكل من فرنسا وسويسرا.

وهذا المسار مهم لأنه يعكس طريقة مختلفة في إدارة العلاقات الدولية:

السعودية تتحرك دولةً، لكنها تتحرك كذلك ضمن الثقل الجماعي لمجلس التعاون.

ومع أوروبا لا يقتصر النقاش على الأزمات؛ بل يمتد إلى العلاقات والتعاون والمصالح المتبادلة.

 

السياسة لا توقف العلاقات

وسط الاجتماعات الإقليمية الكبرى، استمر المسار الثنائي.

التقى الأمير فيصل وزير خارجية الباراغواي، ووقّع الجانبان اتفاقية للإعفاء المتبادل من التأشيرات لحاملي الجوازات الدبلوماسية والخاصة، كما التقى نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان ووقع الطرفان اتفاقية مماثلة.

والتقى كذلك رئيس مجلس إدارة مؤسسة غيتس، في إشارة إلى اتساع أجندة الوفد السعودي لتشمل التنمية والشراكات الدولية إلى جانب السياسة والأمن.

هذه التفاصيل الصغيرة مهمة؛ لأنها تقول إن نيويورك بالنسبة للرياض ليست فقط مكانًا لإدارة الأزمات.

إنها أيضًا سوق دبلوماسية مفتوحة لبناء العلاقات.

 

ثلاث دوائر في وقت واحد

عند ترتيب المشهد، يظهر أن النشاط السعودي يتحرك في ثلاث دوائر متزامنة:

دائرة الأزمة: غزة، سوريا، التوتر الإقليمي وخفض التصعيد.

دائرة التنسيق: الخليج، الدول العربية والإسلامية، مصر وتركيا وباكستان.

دائرة العلاقات الدولية: الولايات المتحدة، فرنسا، المملكة المتحدة، كندا، سويسرا ودول أخرى.

اللافت ليس كثرة اللقاءات، بل أن الدوائر الثلاث تلتقي في الملفات نفسها من زوايا مختلفة.

القضية الفلسطينية تنتقل من التنسيق العربي والإسلامي إلى الحوار مع الدول الغربية.

والأمن الإقليمي ينتقل من الرباعية الإقليمية إلى الاجتماع الأمريكي.

والعلاقات الخليجية تتحرك جماعيًا مع أوروبا.

وهكذا يصبح كل اجتماع جزءًا من شبكة، لا حدثًا منفصلًا.

 

ذروة التحرك

بلغ نشاط الأمير فيصل بن فرحان في نيويورك ذروته في الملف الفلسطيني، حيث أكد أن تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وإنهاء الاحتلال يمثلان أساسًا لأمن المنطقة واستقرارها، ودعا إلى تنفيذ خطة السلام، وضمان وصول المساعدات، ووقف التوسع الاستيطاني وسياسات الضم.

وفي الوقت نفسه، بقيت إيران، والحوثي، وأمن الملاحة، والتصعيد العسكري حاضرة في خلفية التحرك السعودي؛ وهي ملفات تناولها الوزير في اتصالات سبقت اجتماعات نيويورك، فيما جاءت البيانات الأخيرة بصياغات أوسع عن خفض التصعيد وأمن المنطقة.

وهكذا جمعت الدبلوماسية السعودية بين إعلان الموقف في الملفات الكبرى، وإدارة الملفات الحساسة بهدوء بعيدًا عن التفاصيل المعلنة.

 

قراءة BETH

من السهل قراءة برنامج الأمير فيصل بن فرحان في نيويورك بوصفه عشرات اللقاءات والاجتماعات.

لكن الصورة التي تظهر بعد جمعها مختلفة.

الدبلوماسية السعودية لا تنتظر اجتماعًا واحدًا يحل أزمة واحدة؛ إنها تبني حول كل ملف أكثر من دائرة للحركة.

تنسق خليجيًا.

وتجمع الموقف العربي والإسلامي.

وتحافظ على قنوات إقليمية مع القوى المؤثرة.

ثم تدخل إلى الحوار مع واشنطن والعواصم الأوروبية من موقع يحمل شبكة علاقات ومواقف سابقة، لا من موقع منفرد.

وهنا تكمن أهمية نيويورك هذا الأسبوع.

فبينما يجتمع العالم داخل قاعة الجمعية العامة، تعمل الدبلوماسية السعودية خارجها على ربط القاعات ببعضها.

وهذا ربما يفسر كثافة حركة وزير الخارجية:

ليس المطلوب أن تكون المملكة حاضرة في كل اجتماع؛ بل أن تكون قادرة على وصل الاجتماعات ببعضها عندما تختلف الطاولات ويبقى الملف واحدًا.